إعداد: عمار كناوي

 موقع عين دارة الأثري الواقع في شمال غرب سوريا على بعد 5 كم جنوب مدينة عفرين، هو موقع من عصر الحديد من الفترة السورية-الحيثية. ويتكون الموقع المعروف بمعبده وتماثيله البازلتية من جزأين، أكروبوليس ومدينة سفلية تم تشييده على تلة مطلة على وادي نهر عفرين.

وبعد التنقيبات الأثرية السورية في عين دارة والتي بدأت عام 1954 كشف عن المعبد، تم تنفيذ مشروع الحفاظ عليه في الثمانينيات. تم تخصيص جزء من بيت البعثة الأثرية كمركز للزوار، وتم تخصيص باقي الغرف لتخزين القطع الأثرية والمختبرات ومركز الأبحاث الخاص بالبعثة الأثرية. 

وخلال النزاع، أصبح الموقع تحت سيطرة الميليشيات التابعة لقوات حماية الشعب الكردية، وتم تخصيصه كمعسكر تدريب وتم تحويل بيت البعثة كمركز إداري يضم عدد من المكاتب الخدمية. في عام 2018 أطلقت القوات التركية وعدد من فصائل المعارضة معركة سيطرت من خلالها على منطقة عفرين تحت اسم عملية غصن الزيتون، اثناء المعركة استهدفت عدة غارات جوية الموقع، مما أدى إلى تحويل مدخل المعبد إلى أنقاض. بالإضافة إلى إتلاف بعض المنحوتات الموجودة بالموقع. ومع ذلك، تم الحفاظ على مركز الزوار والمخزن على الرغم من نهب القليل من الأشياء.

في منتصف شهر ديسمبر 2019 بدأت تقارير إعلامية بالإشارة إلى سرقة تمثال الأسد البازلتي الضخم من موقع عين دارة. إضافة إلى تعرض الموقع إلى أعمال نهب وتجريف بالجرافات.

في عام 2020 تمكنا من إجراء مسح وتوثيق لكامل الموقع حيث تبين تعرض الموقع لأضرار كبيرة نتيجة عمليات التجريف الواسعة باستخدام أليات ثقيلة دمرت سطح التل وكامل المدينة المنخفضة.

 كشفت عن العديد من المنحوتات البازلتية الغير معروفة سابقاً كما تزايد حجم الضرر بالمعبد نتيجة الإهمال وتبعثر الكسر البازلتية العائدة لمنحوتات جدرانه والمدمرة بفعل القصف السابق على محيط ومنحدر التل.

_ المخاطر والأضرار

  يتعرض معبد عين دارة لأضرار متكررة نتيجة سقوط مقذوفات نارية من معسكر التدريب الواقع أسفل التل إضافة لسقوط مقذوفات عشوائية من قرية عين دارة وموقع عسكري أخر جنوب مدينة عفرين. إضافة إلى ذلك هناك تحطم وتفكك مستمر لأحجار واجهات المعبد المتشققة والمتهشمة سابقا نتيجة العوامل الجوية والقصف الذي تعرض له.

من خلال الزيارات وأعمال التوثيق المتكررة للموقع منذ العام 2018 والتي أجريناها بالتعاون مع مركز آثار ادلب. نلاحظ تغير في حالة الحفظ لجدران المعبد ونقص في الكسر الحجرية المنتشرة أسفل الجدران. هناك خطر يهدد سلامة المبنى الأثري نتيجة استمرار سقوط المقذوفات على الواجهات الخارجية المكشوفة وخطر أخر يكمن في نقص وضياع الكسر الحجرية العائدة لتلك الواجهات خاصة مع انتشار عمليات الرعي على سطح التل لوجود مخيم كبير بجانب الموقع لرعاة الأغنام من البدو استقروا في المكان نتيجة ظروف الحرب واتخذوا من هذه الرقعة الجغرافية المحدودة مرعى لأغنامهم.

إضافة إلى ذلك فإن موقع عين دارة من أكثر المواقع الأثرية في عفرين تأثراً بالصراع والنزاع الفصائلي نتيجة لموقعه وإشرافه على طريق عفرين ادلب، حيث أدت هذه الصراعات إلى خروج فصيل الجبهة الشامية من محيط موقع عين دارة في منتصف عام 2022 وسيطرت فصيل أحرار الشام على الموقع الأمر الذي ألحق أضرار إضافية وخاصة بيت البعثة. تجددت الخلافات الداخلية بين الفصائل العسكرية في شهر أكتوبر بعد محاولة هيئة تحرير الشام السيطرة على منطقة عفرين حيث تمركز مقاتليها في موقع عين دارة لفترة وجيزة. إن تغير السيطرة العسكرية في المنطقة واستخدام تل عين دارة كموقع عسكري يهدد سلامة المعبد ويجعله عرضة للقصف والتخريب لذلك كان من الضروري إغلاق وحماية المعبد بعد فشل جميع الجهود في تحييد الموقع عن الصراع ومنع استخدامه عسكرياً.

_ أعمال الحماية

من خلال عملنا بالتعاون مع مركز آثار ادلب وبتمويل من صندوق الكابلان، أجرينا مشروع حماية وحفظ للمنحوتات المكتشفة حديثاً نتيجة أعمال التجريف ومنع تهريبها واستعادة بعض القطع التي جرا نقلها وإخفائها خارج سطح التل.

وبعد الانتهاء من أعمال الحفظ والتوثيق قمنا بتنفيذ أعمال حماية منتصف عام 2023 تهدف إلى تأمين حماية للواجهات الخارجية للمعبد لمنع وصول المقذوفات النارية العشوائية إليه. وإغلاق المعبد بشكل لا يسمح بوصول الأشخاص والتمركز العسكري فيه. ويمنع رعي الأغنام داخل الموقع للحفاظ على الحالة الراهنة وإبقاء الكسر الحجرية في مواضعها ريثما تتم عمليات ترميم شاملة للموقع مستقبلاً.

وذلك من خلال:

_ بناء سور مزدوج من البلوك بارتفاع 210 سم مع ملئ الفراغ بين الجدارين بالرمل والبحص الناعم جداً لتشكيل جدار بعرض 40 سم مؤلف من ثلاث طبقات. يحيط هذا السور بجميع الواجهات المكشوفة وهي الجهة الشرقية والشمالية والغربية بطول 115 م. تم بناء السور على سطح القواعد والجسور الإسمنتية التي تحيط بالمعبد والتي تم بنائها سابقاً في تسعينيات القرن الماضي من قبل المديرية العامة للأثار والمتاحف بهدف تغطية المعبد بمظلة والتي توقف العمل بها في تلك الفترة لمخالفتها معايير تأهيل الموقع الأثري.

_ بناء سور من شبك معدني مدعم بأعمدة حديدية ترتكز على قواعد أسمنتية حرة مغموسة في طبقات من الردم الحديث الناجم عن عمليات التجريف التي تعرض لها الموقع سابقاً. لتغطية الواجهة الجنوبية من المعبد وهي واجهة غير معرضة لخطر سقوط المقذوفات النارية كونها مخفية بساتر من الردم. يبلغ طول هذا السور 70 م ويمتد بين طرفي جدار البلوك وتم تزوديه باب له أقفال.

_ تم إضافة حاجزين من أكياس الرمل بطول 4م وارتفاع 2.5 م على سطح جدار المصطبة العليا للمعبد من الجهة الشمالية لحماية الواجهة المرتفعة للمعبد والتي تحوي مسلتين تحمل نقوش كون جدار الحماية من البلوك لا يؤمن الحماية على هذا الارتفاع. لذلك قمنا بإضافة الحاجزين خاصة أن هذه المسلات تعرضت لأضرار نتيجة المقذوفات النارية بأوقات مختلفة ويمكن استهدافها من مسافات بعيدة من خارج الموقع.

_ الخاتمة

قد يرى البعض في خطة الحماية المنفذة لمعبد عين دارة مخاطر من حيث إخفاء واجهة مبنى أثري بإضافات حديثة لا تتناسب مع محيطها الأثري وتشويه المنظر العام أو إغلاق موقع أثري أمام الزوار. نحن نؤكد أن هذا الإجراء هو تدخل إسعافي يهدف إلى حماية الوضع الراهن وعدم تفاقم الأضرار وأن جميع الإضافات الحديثة تمت باستخدام مواد قابلة للإزالة، تم تنفيذها دون المساس بطبقات الموقع الأثري أو ربطها فيه بشكل مباشر دون إلحاق أي ضرر أو ترك أثر لها مستقبلاً. كما أن معبد عين دارة مغلق للزوار ولا يسمح بالدخول إليه إلا من قبل رعاة الأغنام. هذا الإجراء تم بعد ثلاث سنوات من العمل في الموقع وفشل أغلب دعوات الحماية لمبنى المعبد وعدم استهدافه من المعسكرات القريبة. لذلك كان بناء الجدار ضرورة وإجراء متاح لتأمين حماية المعبد والمحافظة على الوضع الراهن وإيقاف الضرر المستمر والمحافظة على الكسر الحجرية من واجهات المعبد من الضياع.

كما أننا نؤكد على أن أعمال الحماية هذه غير كافية فلا تزال جدران المعبد بحاجة إلى ترميمات طارئة وبعض التدخلات الإسعافية لوقف الضرر الذي تفاقم بعد الزلزال الأخير والتي لم يسعفنا التمويل الحالي في إجرائها.

نأمل أن تساعد أعمال الحماية الحالية في حفظ الموقع بهدف إعادة تأهيله بعد الحرب واستثماره كمعلم سياحي يعود بالنفع على سكان المنطقة والدولة بشكل عام خاصة بعد الكشف عن مجموعة هامة من المنحوتات والتي ستكسب الموقع أهمية خاصة ستجعل من الموقع متحفاً في الهواء الطلق.

اكتشاف المزيد من Syrians for Heritage (SIMAT)

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading