إعداد: عمار كناوي
تمتلك كنيسة قلب لوزة الواقعة في الجبل الأعلى شمال غرب مدينة ادلب والمسجلة على قائمة التراث العالمي عام 2011 أهمية تاريخية كبيرة، فهي المعلم المسيحي الأهم في سورية، بعد كنيسة القديس سمعان، كما تتمتع الكنيسة بأسلوب معماري مميز، وحالة حفظ جيدة، فهي لا تزال تحافظ على كامل مخططها ولا ينقصها إلا السقف والذي حفظت أجزاء منه في الرواق الجنوبي. إضافة إلى ذلك تتمتع كنيسة قلب لوزة بأهمية خاصة لدى المجتمع المحلي فهي رمز من رموز ادلب الحضارية ومصدر فخر لأهالي المنطقة. لفتت الكنيسة الأنظار إليها مجدداً بعد التقارير الإعلامية المكثفة والتي ربطت حادثة إحراق كنيسة نوتردام في باريس عام 2019 بكنيسة قلب لوزة حيث نشر أن مخطط كنيسة باريس مستمد من مخطط كنيسة قلب لوزة، الأمر الذي وجه أنظار المجتمع المحلي بأهمية الكنيسة وأصبحت مصدر فخر لأهالي القرية وعموم أهالي ادلب. هذه الحادثة عززت أهمية نشر الوعي بالمحافظة على التراث.

الحالة الراهنة
على الرغم من أهمية كنيسة قلب لوزة من الناحية التاريخية والمعمارية إلا أنها كانت عرضة للإهمال والتعديات طيلة الفترة الماضية، وذلك لإهمال الموقع من قبل المجتمع المحلي نتيجة لحساسية موقفهم من الصراع في سورية كون سكان القرية يتبعون الطائفة الدينية المعروفة بالدروز الموحدين الذين يشكلون أقلية دينية في المنطقة. إضافة إلى هجرت عدد كبير من سكان القرية ودخول أعداد كبيرة من النازحين والوافدين إلى المنطقة. عدم تدخل المجتمع المحلي في شؤون الكنيسة ساهم في انتشار التعديات عليها، فقد تعرضت الكنيسة لاستغلال جائر خلال فترات متقاربة اثناء الحرب في سورية. حيث استخدمت الكنيسة بين عامي 2014 و2016 كزريبة لتربية الحيوانات (الأبقار والأغنام) من قبل أحد الوافدين المهجرين إلى المنطقة.

إضافة إلى ذلك كانت هناك محاولات لتحويل مبنى الكنيسة كمركز لإنشاء مدرسة مؤقتة أو مركز تعليمي ديني (معهد شرعي) للأطفال المهجرين من أحد قرى ريف حلب الغربي والذين خسروا مدرستهم أثناء حملة النزوح والتهجير بداية عام 2020.
إضافة إلى أعمال الحفر السري داخل الكنيسة وبجوارها وتخريب بعض الأجزاء من الكنيسة كأجزاء من الأرضية والدرج الحجري الذي يتقدم الحنية المركزية[1].
الحالة السياسية وأثرها على قلب لوزة
عانى سكان قرية قلب لوزة وسكان القرى المجاورة من الاضطهاد خلال الفترة السابقة من أحداث الثورة السورية لكونهم من أقلية دينية (الدروز) وكانت المنطقة عرضة للإهمال وتراجع الملف الخدمي فيها كما سكنت القرية ومحيطها مجموعات من المقاتلين الأجانب الذين يحملون فكر متشدد فرضوا أفكارهم على السكان بالقوة. شهدت منطقة قلب لوزة توتراً كبيراً بعد حادثة مقتل مسن وزوجته من الطائفة الدرزية منتصف عام 2022 على يد مجموعة من المقاتلين الأوزبك لأسباب دينية، مما دفع هيئة تحرير الشام للتدخل لحماية الأهالي حيث انتشرت الحواجز الأمنية في المنطقة وتم إخراج العديد من المقاتلين الأجانب خارجها. كما قام زعيم الهيئة (أبو محمد الجولاني) بالاجتماع مع وجهاء المنطقة وإجراء مصالحة معهم مع وعود بتحسين الواقع الخدمي وتنفيذ عدد من المشاريع الخدمية في المنطقة. شجع المناخ السياسي العام على فكرة إعادة تأهيل كنيسة قلب لوزة كمزار سياحي ومعلم تاريخي بالتعاون مع المجتمع المحلي والاستفادة من النهج المتغير لهيئة تحرير الشام من خلال تخليها عن نهجها المتشدد ليتوافق مع متطلبات الإدارة لتحسين صورتها داخلياً وخارجياً.
الأهداف
نهدف من خلال هذا المشروع القيام بتداخلات إسعافية لبعض الأجزاء المتضررة من الكنيسة وخاصة ترميم الأجزاء الناقصة من الأرضية الناجمة عن مجموعة من الحفر الصغيرة والكبيرة حدثت خلال التعديات السابقة. وذلك بغية إعادة تأهيل الكنيسة بشكل جيد وتنظيفها من الأوساخ وبعض العبارات المكتوبة حديثاً على الجدران الأثرية مما يسمح باستعادة الكنيسة لدورها كمعلم سياحي لسكان المنطقة الأمر الذي يساهم في حماية الكنيسة من عمليات الاستغلال الجائر كما حصل سابقاً.

مراحل العمل
1_ التوثيق: قمنا بإجراء توثيق كامل للكنيسة من خلال تصوير فوتوغرافي لكافة أجزاء وعناصر الكنيسة قبل العمل وبعده مع تصوير بتقنية 360 لكامل أجزاء الكنيسة الخارجية والداخلية. مع أخذ مجموعة كبيرة من الفيديوهات القصيرة توثيق كافة العناصر المعمارية والزخرفية.

بعدسة :محمد كمال رحيم
2_ أعمال التنظيف: تم تنظيف كامل أرضية الكنيسة وترحيل الأوساخ والأتربة منها حيث ظهرت الحفر والتخريب بأرضية الكنيسة بشكل واضح وتم الاستعانة بعمال محليين من أبناء القرية لتنفيذ الأعمال وبالتنسيق مع المجلس المحلي لقرية قلب لوزة.

3_ ترميم أرضية الكنيسة: تم تحديد عشرات الحفر في أرضية الكنيسة قمنا بتحديدها وإزالة طبقة الردم الحديث ومن ثم تم رصفها بالحجارة وتغطيتها بطبقة من المونة،
أعمال الترميم هذه تمت دون المساس بالأرضيات الحجرية الأصلية وإنما فقط بالأجزاء المخربة من الأرضيات المرممة سابقا. هذا الترميم يحد من توسع الحفر وتأكل وتخريب الأرضيات الأصلية ويساهم في نظافة الكنيسة ويساعد في تمكين الكنيسة من استقبال الزوار بإعداد كبيرة خاصة الرحل المدرسية.


4_ إجراء مسح كامل للكنيسة بعد الزلزال المدمر والتأكد من سلامة العناصر الإنشائية والمعمارية. حيث تبين من خلال أعمال التوثيق وإجراء مقارنات مع أعمال التوثيق السابقة عدم تعرض مبنى الكنيسة لأي ضرر إضافي نتيجة الزلزال.
الخاتمة
إن إعادة تأهيل الكنيسة وتوظيفها كمركز لاستقبال الزوار يساعد في حماية الموقع من خطر الاستغلال الجائر والذي لازال قائماً لدى بعض الأشخاص أو الجهات التي تسعى إما للاستفادة من المبنى أو طمس هوية المبنى التاريخية كواحدة من أهم الكنائس السورية. ساعد المشروع على إشراك ودعم المجلس المحلي المكون من مجموعة من أبناء القرية في إدارة ملف الكنيسة ووضعها تحت وصايتهم. كما أن إعادة افتتاح الموقع وتأهيله بالتعاون معهم مكن أهالي المنطقة من إحياء فكرة المحافظة على الموروث الثقافي في منطقتهم بعد الحملة العنيفة التي تعرضوا لها من قبل المجموعة المتشددة في الفترة السابقة.
[1] – لمزيد من المعلومات حول الأضرار التي لحقت بكنيسة قلب لوزة يمكن الاطلاع على تقريرنا المنشور على موقع سمات، توثيق الحالة الراهنة للمتنزهات الأثرية المسجلة على لوائح التراث العالمي المتنزه رقم /6/ – الجبل الأعلى، (2020) https://2u.pw/0oKnChD