إعداد: عمار كناوي
تقع قلعة سمعان في جبل سمعان الذي يشكل القسم الشمالي من الكتلة الكلسية، على بعد 35 كم غرب مدينة حلب شمال وحوالي 7 شمال غرب ناحية دارة عزة. أدرجت القلعة مع عدد مع المواقع المحيطة بها ضمن قائمة مواقع التراث العالمي لليونسكو في العام 2011.
تعرضت القلعة منذ بداية أحداث الثورة السورية لتعديات من الحفر السري والتخريب أثر على أجزاء منها كأرضية البازليك الشرقية من الكنيسة الرئيسية. ومع تطور أحداث الثورة السورية تحولت قلعة سمعان لمركز تدريب لبعض فصائل المعارضة المسلحة والتي لا تزال تتمركز في القلعة إلى الآن مع اختلاف القوى المسيطرة بحسب التغيرات العسكرية على الأرض. وذلك لوقوعها بالقرب من خطوط الجبهات مع قوات النظام ووحدات حماية الشعب الكردية. كما تعرضت القلعة لجولتين من القصف الجوي بطائرات حربية عام 2016 خلفت أضرار واسعة خاصة عمود القديس سمعان وبعض أجزاء الكنيسة المصلبة.
سبق وأن أجرينا تدخل إسعافي وتوثيق الحالة الراهنة للقلعة ورصد التعديات في المشروع الممول من صندوق الكابلان عام 2020/2021. وتم الحفاظ على الحالة الراهنة للقلعة طيلة الفترة الماضية إلا أن الزلزال الأخير ألحق أضرار في بعض مباني القلعة حيث تهدمت بعض الجدران والعناصر المعمارية وحصلت تشققات في بعض المباني وانهار القوس الغربي من المثمن المحيط بعمود القديس سمعان في الكنيسة المصلبة.

_ الأضرار الناجمة عن الزلزال
أحدث زلزال 6 شباط 2023 أضرار بالغة في منطقة شمال غرب سورية وخلف ورائه كارثة إنسانية فاقمت من الأوضاع المأساوية لسكان المنطقة كما ألحق الزلزال أضراراً على بعض المواقع الأثرية كان من بين المواقع المتضررة قلعة سمعان. حيث انهارت أجزاء مختلفة من مبانيها وحصلت تشققات في بعض الأجزاء ونظراً لأهمية قلعة سمعان فقد أجرينا عدة زيارات ميدانية لمسح الأضرار في القلعة بعد الزلزال مباشرةً. ومن خلال مقارنة الوضع الحالي مع الصور المأخوذة سابقاً تم تحديد الأجزاء المتضررة حيث تبين أن أغلب الأضرار حصلت في الأجزاء المتضررة سابقاً نتيجة القصف أو أعمال الحفر السري أسفل الجدران، الأمر الذي أضعف من ثبات تلك الأجزاء وجعلها أقل مقاومة للهزات الأرضية.

أهم الأجزاء المتضررة:
1_ قوس البازليك الغربية
تعرضت قوس البازليك الغربية من المثمن الذي يحيط بعمود القديس سمعان لأضرار سابقة نتيجة القصف الجوي عام 2016 الأمر الذي أضعف من ثباته. لذلك أجرينا عملية تدخل إسعافي لتقوية القوس لمقاومة العوامل الجوية والاهتزازات الخفيفة الناجمة عن أعمال قصف محتملة. لكن شدة الزلزال كنت أكبر من قدرة القوس على المقاومة فانهارت الأعمدة والقوس باتجاه الغرب وسقط على شكل كتلة واحدة.

لا تزال أحجار القوس مرصوفة على الأرض وفق ترتيبها السابق مع تحطم بعض الأحجار ولكن غالبية أجزاء القوس والأعمدة لاتزال سليمة نسبياً وقابلة للترميم مستقبلاً في حال حفظها في مكانها.

2_ الرواق الشرقي في مبنى الدير جنوب شرق كنيسة سمعان
وهو رواق طويل يتقدم مجموعة من غرف الدير يتألف من دعامات حجرية تحمل سواكف ضخمة يعلوها ألواح حجرية على شكل حواجز وهذا الرواق لا يزال محفوظ على مستوى طابقين من الدعامات والسواكف. سبق وأن تعرض مبنى الدير لأضرار ناجمة عن القصف أدت لانهيار الرواق الجنوبي المحفوظ على مستوى ثلاث طوابق مع انهيار واجهة الغرف التي تقع إلى الغرب منه.

أدى الزلزال لحدوث تشققات إضافية في بعض الدعامات والسواكف الحجرية.
3_ انهيار جدران من مبنى النزل (Hostelry) إلى الغرب من مبنى المعمودية.
تعرضت هذه المنطقة الواقعة وسط القلعة لأعمال الحفر السري اليدوي أسفل الجدران وداخل الغرف حيث كشفت الحفر عن أساسات المبنى مما أضعفه وتسبب بضعف مقاومته لزلزال مما أدى إلى انهيار أجزاء منه.

_ سقوط أحجار من بعض الواجهات والمباني العالية.
أدى الزلزال لانهيارات متفرقة ومحدودة لبعض الأحجار في مناطق متفرقة من القلعة كالأجزاء العليا من الواجهة الغربية للبازليك الغربية والسور الشمالي للقلعة قرب المدفن الكهنوتي وانهيار جزء من جدار واجهة الدير الشرقية إضافة إلى انهيارات محدودة في بعض مباني القلعة.

_ المخاطر: حصل تدخل خاطئ بعد الزلزال من قبل عناصر الحراسة المتواجدة في القلعة حيث قاموا بتجريف الأحجار المنهارة في بعض الأجزاء ومن ضمنها قاعدة عمود القديس سمعان ذات الأهمية الرمزية.

) كما حاولوا هدم الرواق الشرقي من مبنى الدير حيث كان لديهم تخوف من سقوطه نتيجة الهزات الارتدادية وكانوا مصرين على إزالتها بحجة سلامتهم الشخصية بشكل عاجل. لذلك تطلب الأمر تدخل طارئ وسريع من قبلنا لتدعيم هذا الجزء من المبنى لتبديد مخاوفهم على الرغم من أن هذه التشققات مستقرة ولا تشكل خطر على سلامة المبنى على الأغلب لكن التدخل كان بهدف منع إجراء تدخلات عنيفة وخاطئة من قبل العناصر العسكرية الموجودة في القلعة.

_ إجراءات الحماية
في منتصف شهر أيار عام 2023 بدأنا التدخل في قلعة سمعان لتثبيت الحالة الراهنة ومعالجة أضرار الزلزال ومنع إجراء تدخلات خاطئ في القلعة من خلال تقوية جدار الرواق الشرقي لمبنى الدير والتقليل من مخاوف الأشخاص المتواجدين في القلعة من خطر انهياره.
قمنا بإجراء توثيق كامل لمنطقة العمل ووضع ألية عمل سريعة لدعم وتقوية الأجزاء المتضررة من خلال:
1_ تدعيم الساكف المتضرر بأعمدة حديدية مزودة بعوارض خشبية تفصل بين الحديد والحجر الأثري وتؤمن مرونة في حالات التمدد والتقلص نتيجة العوامل الجوية.

2_ تدعيم السواكف في الطابق العلوي بدعامات خشبية أفقية وشاقولية.

3_ حقن تشققات الدعامة بالمونة.

4_ إعادة تثبيت وربط الجزء المنهار من قاعدة الدعامة باستخدام مادة لاصقة وإعادة تكحيلها بالإسمنت. علماً أن هذا الجزء كان منفصل عن قاعدة الدعامة قديماً بشق مائل لكن خلال الزلزال انفصل بشكل كامل وسقط على الأرض.

_ خاتمة
كانت الأعمال المنجزة في قلعة سمعان جزء من الاستجابة الطارئة لمنظمة سمات ما بعد الزلزال حيث تطلب الأمر خطوات سريعة وجريئة لتعامل مع آثار الكارثة وبالرغم من أن هذه الإجراءات لا تتناسب مع حجم الضرر الذي خلفه الزلزال إلى أنه إجراء مؤقت ريثما يتم إعداد خطة عمل مدروسة بشكل علمي وتوفير الدعم المالي والتقني لتلافي أضرار الكارثة. وللأسف لغاية نشر هذا التقرير أي بعد أكثر من عام ونصف على كارثة الزلزال لم تكن هناك أي استجابة دولية أو محلية في قلعة سمعان أو غيرها من المواقع الأثرية المتضررة شمال غرب سورية. نأمل في القريب العاجلة أن تكون هناك استجابة حقيقية للحفاظ على هذا الصرح الحضاري العالمي قبل ضياع العديد من العناصر المعمارية القابلة للترميم وإعادة البناء خاصة في ظل الأوضاع الحالية من استمرار الحرب في المنطقة التي تعاني من فوضى إدارية وغياب للسلطة الآثرية.