إعداد: عمار كناوي
تعتبر مدينة تدمر من أهم المواقع الأثرية السورية ومصدراً هاماً للاقتصاد السوري فهي الموقع الأثري الأكثر جذباً للسياح الأجانب، نظراً لما تمتلكه من معالم معمارية فريدة من نوعها وحالة الحفظ الاستثنائية، حيث تعد نموذجاً هاماً للمدن الرومانية إضافة لطابعها الشرقي المميز وسط الصحراء السورية. وقد أدرجت مدينة تدمر الأثرية على لائحة التراث العالمي منذ العام 1980.
تمتلك تدمر قيمة رمزية كبيرة في وجدان الشعب السوري وهي جزء من ذاكرته الحية ومصدر فخر واعتزاز لجميع السوريين. ونتيجة لهذه القيمة الثقافية والرمزية كانت تدمر محوراً أساسياً خلال سنوات الحرب في سورية. فقد تعرضت المدينة لأضرار عديدة نتيجة الاشتباكات والقصف مع انتشار أعمال النهب خلال السنوات الأولى من الثورة السورية. لكن الحدث الأخطر في المدينة كان التخريب والتدمير على يد تنظيم الدولة الإسلامية. كما سعى النظام السوري السابق لتسيس ملف الآثار في مدينة تدمر لتحقيق مكاسب سياسية. إضافة إلى ذلك سعى حلفاء نظام الأسد البائد إلى السيطرة على المدينة الأثرية حيث فرض الجيش الروسي الوصاية على الموقع وأحدث قاعدة عسكرية له في حرم الموقع الأثري. كما سعت إيران للاستفادة من موقع المدينة الاستراتيجي لتكون صلة وصل بين سورية والعراق حيث سيطرت مجموعات من ميلشياتها على عدة أحياء من مدينة تدمر بعد تهجير أهلها. (صورة 1)

_ أثار تدمر خلال سيطرة تنظيم الدولة على المدينة بين عام 2015/2017
سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على مدينة تدمر للمرة الأولى في أيار عام 2015. إلى أن تمكنت قوات النظام السوري من استعادتها بدعم روسي وإيراني في أذار 2016 ليعود التنظيم مرة أخرى ويسيطر على المدينة في كانون الأول من نفس العام إلا أن تم طرده منها نهائياً في أذار 2017. سخر تنظيم الدولة آثار المدينة لتوجيه رسائل عدائية وبشكل وحشي، للعالم أجمع من خلال تدمير وتحطيم أهم رموز المدينة كمعبد بيل وبعل وقوس النصر والتترابيل وبعض المدافن البرجية. كما استخدم مسرحها لتصوير عمليات الإعدام التي يقوم بها. وكانت أبشع جرائمه إعدام عالم آثار تدمر خالد الأسعد الذي لم تشفع له سنواته الثمانون من وحشيتهم. إضافة إلى ذلك تشير التقارير إلى تورط عناصر التنظيم في عمليات نهب الأثار وخاصة من منطقة المدافن. كما تعرضت المدينة الأثرية لقصف عنيف من قبل طائرات النظام السوري والروسي خلال عمليات استعادة السيطرة على المدينة مما ألحق أضرار واسعة لأثارها كما تعرض متحف المدينة للقصف حيث دمر جزء من سطح المبنى. كما قصف ودمر مدخل قلعة فخر الدين التي تطل على المدينة الأثرية. إضافة إلى ذلك فقد عمد تنظيم الدولة إلى تفخيخ وتلغيم المدينة قبل انسحابه منها. (شكل 1)

_ أثار تدمر بعد سيطرة قوات النظام السابق وحلفائه بين عامي 2017/2024
أحدثت الجرائم البشعة التي ارتكبها تنظيم الدولة في مدينة تدمر تعاطفاً دولياً واسعاً مع المدينة. الأمر الذي استغله نظام الأسد في محاولة لتلميع صورته وتقديم نفسه على أنه المخلص والمنقذ لآثار تدمر. حيث باركت العديد من الدول والجهات هذا الإنجاز متناسية جرائم نظام الأسد بحق الأثار السورية وخاصة في مدينة حلب التي دمرها بعد أن سيطر عليها في وقت سابق من العام 2016. وسرعاً ما أعلن النظام عن نيته في إعادة تأهيل وترميم مدينة تدمر الأثرية هذا الإعلان كان موضع جدل في الأوساط العلمية بسبب التوقيت وقدرت النظام على تنفيذ وإدارة أعمال الترميم في وقت لاتزال الأخطار قائمة كما أن الحرب لم تنتهي بعد. إضافة إلى حجم الضرر الكبير الذي لحق بها. يضاف إلى ذلك الوصاية الروسية على موقع تدمر حيث سيطرت قواتها على الموقع بشكل مباشر بحجة تطهير المدينة من الألغام. هذه السيطرة الروسية تم ترجمتها من خلال تصدرها لمشاريع الترميم الأثري حيث تم توقيع العديد من مشاريع الترميم مع جهات روسية عدة كمتحف الأرميتاج، والأكاديمية الروسية للعلوم، إضافة إلى شركة صناعة الحجر الروسية! وأهم تلك المشاريع كانت تتعلق بقوس النصر والذي أعلن عن ترميمه على ثلاث مراحل بالتعاون مع الأمانة السورية للتنمية ووزارة الثقافة السورية. حيث تم إنجاز المرحلتين الأوليتين وهما فرز الأحجار وتوثيقها وإعداد المخططات. في حين تأخر الشروع في تنفيذ المرحلة الأخيرة من إعادة بناء القوس. أيضاً أعلن الفيلق الاستكشافي التطوعي الروسي عن مشاركة المديرية العامة لترميم واجهة مسرح تدمر، حيث جرى إدارة الركام وتوثيق الحالة الراهنة. في حين أنهي ترميم نبع أفقا التاريخي من قبل المديرية العامة وجمعية الحفاظ على التراث التاريخي والثقافي الروسية، ولهذا المشروع أهمية اقتصادية لإعادة الحياة إلى واحة وبساتين النخيل في تدمر.
لم يكن الروس فقط هم المهتمين بترميم أثار تدمر فهناك جهات أخرى ساهمت في أعمال الترميم. حيث وقع متحف الأرميتاج اتفاقية مع متحف عمان الوطني لترميم 200 قطعة أثرية سورية منها منحوتات تدمرية. كما جرت أعمال ترميم لتمثال أسد اللات والذي تعرض للضرر عام 2015 بعد سيطرة تنظيم الدولة حيث جرى نقل قطع التمثال إلى متحف دمشق عام 2017. كان المشروع من قبل اليونسكو وبتمويل من الاتحاد الأوربي وأشرف على الترميم مرممين من بولندا وتم عرضه في حديقة متحف دمشق.
_ الحالة الراهنة لأثار تدمر بعد التحرير وسقوط نظام الأسد
من خلال زيارة ميدانية لفريق سمات وبمشاركة الزملاء من مركز آثار ادلب بتاريخ 17/12/2024 إلى مدينة تدمر بعد تحريرها من قبل قوات عملية رع العدوان. تم معاينة الموقع من خلال إجراء مشاهدات أولية تهدف إلى تقييم الحالة الراهنة، وإعطاء صورة سريعة عن الواقع الأثري للمدينة بعيداً عن الخطاب الرسمي والإعلامي الذي اتخذه النظام والروس فيما يخص أثار المدينة ومشاريع الترميم القائمة.
فعلى الرغم من الضرر الكبير الحاصل في المدينة إلا أن آثار تدمر لا تزال تحتفظ بعامل الإبهار البصري والشعور بعظمة المكان وسحره بما تحتويه من آثار ومعالم لا تزال بحالة سليمة. حيث يمكن تقييم الحالة الراهنة بما يلي:
_ متحف تدمر
لا يزال عناصر الحراسة التابعين لمديرة الآثار يقومون بحراسة المتحف دون وجود عناصر حراسة تتبع إدارة العمليات العسكرية، رغم ضرورة تواجدهم في هذه الفترة. من ناحية أخرى لا يوجد كادر إداري يشرف على المتحف في الوقت الحالي. أما عن حالة المتحف، لم تجري أي أعمال ترميم أو تأهيل له حيث لا تزال الفتحة التي أحدثها القصف الجوي في سطح المتحف موجودة حيث تم إغلاقها بألواح معدنية فقط. (صورة 2)

كما أن معروضات ومقتنيات المتحف وخاصة المنحوتات الجنائزية والتي جرى نقلها إلى متحف دمشق في فترة سابقة قبل سيطرة تنظيم الدولة على المدينة لم يتم استرجاعها بعد. أي أن المتحف متوقف عن العمل في الوقت الحالي، ومع ذلك لا يزال يوجد في المتحف مجموعة هامة من المنحوتات والأسر الجنائزية التي جرى تشويه بعضها من قبل التنظيم في فترة سابقة. (صورة 3)

_ قلعة فخر الدين المعني الثاني
تعرضت القلعة لأضرار نتيجة القصف الجوي الروسي خلال فترة سيطرت تنظيم الدولة على المدينة عام 2015. حيث انهارت أجزاء من برج المدخل وإلى الآن لم يتم إجراء أي أعمال ترميم للمدخل حيث يصعب الوصول إلى داخل القلعة. في حين تم إنشاء قاعدة عسكرية بمحيطها. هذه القاعدة مجهزة بدشم سميكة من الرمل وبعض الأبنية من البلوك ومزودة ببعض المدافع التي تخلى عنها عناصر النظام عند انسحابهم من المدينة. (صورة 4)

_ المدينة الأثرية داخل الأسوار
لا يوجد أي تواجد عسكري ضمن الموقع الأثري في الوقت الراهن. (شكل 2) كم تم إخلاء القاعدة الروسية الواقعة بالقرب من الأسوار الشمالية في منطقة مضمار سباق الخيل سابقا.ً حيث جرى تسويات وتجريف مساحات واسعة لإنشاء قاعدة عسكرية ومهبط طائرات مروحية، كما يوجد عدد من التحصينات لنقاط عسكرية بمحيط القاعدة. إضافة إلى تجريف المنطقة لإنشاء سواتر رملية على جانبي طريق إمداد القاعدة ضمن الحرم الأثري وربط جميع القطعات العسكرية ببعضها. (صورة 5)

إضافة إلى ذلك هناك غياب لأي عناصر من الأثاريين أو الإداريين من مديرية الأثار ضمن الموقع بما في ذلك حراس الموقع الأثري. حتى أن غرف الإدارة ضمن الموقع والموجودة في الطرف الشمالي الغربي مهجورة في الوقت الحالي وعلى ما يبدو منذ زمن. (صورة 6)

كما أن مركز الزوار (متحف التقاليد الشعبية) مغلق حاليا. في حين يوجد على سطح سور المدينة أقصى الزاوية الشمالية الغربية خلف معسكر ديوقلسيان دشم وتحصينات عسكرية تم الانسحاب منها مؤخرا. (صورة 7)

أما فيما يخص معالم تدمر الشهيرة والتي تم تدميرها على يد تنظيم الدولة، فهي لا تزال على وضعها السابق باستثناء أعمال فرز الركام في قوس النصر حيث جرى فرز الأحجار وترقيمها. (صورة 8)

كما يوجد أعمال توثيق في القسم الشمالي من المدينة حيث تظهر علامات القياس مثبتة على أحجار المباني. (صورة 9)

في حين أن باقي المعالم المدمرة لا تزال على حالها السابق مثل واجهة المسرح والتترابيل وهيكل معبد بيل وبعل، وكذلك المدافن البرجية. (صورة 10)

أما بالنسبة لأعمال الحفر والنهب السري هناك عدد قليل من الحفر على الشارع المستقيم جرت في وقت سابق. (صورة 11)

ولكن التعدي الأهم هو وجود أعمال حفر واسع في موقع معسكر ديوقلسيان حيث جرى حفر منطقة واسعة نسبياً بشكل يدوي على الأغلب. (صورة 12)

أعمال الحفر هذه كشفت عن مدافن رومانية كما يظهر من خلال البقايا المعمارية المدمرة نتيجة الحفر، حيث تنتشر كسر حجرية تحمل زخارف متنوعة من أسرة جنائزية وبعض كسر لمنحوتات جنائزية من النوع الشائع في مدافن تدمر. يشير الركام ومقاطع الحفر إلى أن أعمال الحفر تمت منذ فترة ليست بالبعيدة ربما أشهر قليلة. كما أن منطقة الحفر تقع بالقرب من التحصينات العسكرية لقوات نظام الأسد التي تشرف على المنطقة من فوق الأسوار. (شكل 3)

مما يشير إلى أن أعمال الحفر في هذه المنطقة تمت تحت إشراف أو نظر قوات النظام. الأمر الأخر والمستغرب بشدة هو وجود مجموعة كبيرة من الشواهد وكسر المنحوتات التي تحمل قيمة فنية لا تزال مبعثرة في المكان مما يؤكد أن منطقة الحفريات هذه لم توثق أو تلاحظ من قبل السلطات الأثرية. (صورة 13/14)


_ استنتاجات
خلال سبع سنوات من سيطرت قوات نظام الأسد السابق والقوات الروسية على مدينة تدمر، ومحاولتهم تسيس هذا الملف وحشد الدعم والتمويل لتنفيذ مشاريع الترميم، وما أحدثته من ضجة إعلامية كبيرة حول هذا الملف. ودعواتهم المتكررة للإسراع في أعمال الترميم، والإعلان عن عدة مشاريع جرى الموافقة عليها وتأمين الدعم. إلا أن الواقع الأثري يشير إلى خلاف ذلك، فالأعمال المنفذة محدودة للغاية مقارنةً مع ما تم الإعلان عنه. حيث أن الأعمال التي جرى تنفيذه لا تتجاوز أعمال التوثيق. في حين أن عمليات إدارة الركام للمعالم المدمرة لم تتم إلى الآن باستثناء قوس النصر. وهذا بالطبع أمر منطقي مع حجم الدمار الحاصل ونقص الإمكانيات وطبيعة المخاطر في المرحلة السابقة. هذا الأمر يؤكد صحة الاستنتاجات حول تسيس ملف آثار تدمر وعدم قدرة روسية على إدارته. فالأمر يحتاج إلى دعم دولي واسع من الخبرات والأموال وإعداد الدراسات وأعمال التوثيق العلمي وبشكل احترافي. كما يحتاج إلى وجود استقرار سياسي في سورية قبل الشروع في أعمال الترميم.
من ناحية أخرى على الرغم من وجود بعض أعمال التوثيق في الموقع إلا أنه يلاحظ ضعف وجود السلطة الأثرية في الموقع طيلة الفترة الماضية، فالموقع كان تحت وصاية القاعدة الروسية وبعض وحدات من قوات نظام الأسد الموجودة على الأسوار الشمالية الغربية وقلعة فخر الدين. الأمر الذي تؤكده أعمال الحفر والنهب في معسكر ديوقلسيان، والتي جرت على فترة زمنية طويلة نسبيا نظراً لحجم المنطقة المستهدفة بالحفر. كما أن متحف تدمر ومديرية الأثار لم تفعل خلال المرحلة السابقة حيث لا يوجد عاملين فيها باستثناء حراس المبنى. وبالتالي من كان يقوم بإدارة الموقع وحمايته؟
_ توصيات ونتائج
مع انتصار الثورة السورية بسقوط نظام الأسد أصبح من الممكن تحقيق الاستقرار السياسي حيث أعلنت الحكومة المؤقتة التي تم تشكيلها في 10/12/2024 عن فترة انتقالية لمدة ثلاث أشهر فقط. هذا الأمر يدفعنا لإعادة التفكير في ملف آثار تدمر بعيداً عن المصالح السياسية. فلابد من إعادة تقييم الوضع الراهن، وتقييم خطط ومشاريع الترميم والاتفاقيات السابقة خاصة تلك الاتفاقيات التي جرت مع جهات ومؤسسات روسية. كما أنه من المتوقع انسحاب روسية من ملف آثار تدمر بعد خروجها من سورية. وبالتالي تعليق مشاريع الترميم التي أعلنت عنها لذلك لابد من إطلاق نداء دولي لحشد الدعم والخبرات لإعادة تأهيل وترميم مدينة تدمر بمشاركة الخبرات المحلية وجهات ومنظمات دولية.
خلال المرحلة الحالية لابد من الحفاظ على الحالة الراهنة للمدينة من خلال تأمين حماية وحراسة تغطي كافة أجزاء المدينة الأثرية ومنطقة المدافن، الأمر الذي يتطلب دعم وتخصيص قوات عسكرية حكومية تغطي النقص الكبير لعناصر الحراسة التابعة لمديرية الآثار.