إعداد: عمار كناوي
تعتبر مدينة حلب القديمة والمسجلة على لائحة التراث الإنساني العالمي من أعرق المدن التاريخية والتي تعود للآلف الثالث قبل الميلاد، وتشتهر بقلعتها وتتميز بطابعها الإسلامي من خلال مساجدها وأسواقها وخانتها، كما تضم المدينة عدد من المتاحف الأثرية والتاريخية. لكن هذه الآثار كانت أكبر ضحايا الحرب في سورية من خلال تعرضها للقصف والتدمير بشكل وحشي. حيث شهدت مدينة حلب أضرار كبيرة خلال المراحل السابقة نتيجة أعمال القصف الشديد الذي تعرضت لها خلال فترة سيطرت قوات المعارضة على أجزاء من المدينة خاصة الأجزاء الشرقية وأجزاء واسعة من المدينة القديمة. مما دفع اليونسكو لوضع مدينة حلب على قائمة مواقع التراث العالمي المهدد بالخطر وذلك عام 2013.
ولكن خلال عام 2016 تمكنت قوات النظام من فرض سيطرتها على مدينة حلب بشكل كامل بعد معارك وقصف دموي خلف أضرار واسعة بالإرث الثقافي للمدينة حيث دمرت أجزاء واسعة من أسواق المدينة وأبنيتها التاريخية ومتاحفها كما طالت الأضرار قلعة حلب. (صورة 1)

_ تحرير حلب 29/11/2024
تمكنت قوات عملية ردع العدوان وهي غرفة عمليات تترأسها هيئة تحرير الشام وتشارك فيها مجموعة من فصائل المعارضة المسلحة والجيش الوطني في شمال غرب سورية. من دخول مدينة حلب بعد يومين فقط من انطلاق المعركة. التحرير المفاجئ والسريع ساهم في انتقال السلطة ضمن مدينة حلب دون انتشار لأعمال الفوضى والتخريب كما أن انسحاب قوات النظام السريع لم يعرض المدينة لأعمال عسكرية عنيفة وبقيت جميع الدوائر والمديريات الحكومية على حالها بما في ذلك متحف حلب وقلعتها. ورغم القصف الجوي من قبل طيران نظام الأسد وحلفائه الروس في الأيام التي تلت تحرير المدينة إلا أن هذا القصف توقف بعد تمكن فصائل المعارضة المسلحة (ردع العدوان) من بسط سيطرتهم على أغلب المدن السورية بعد انهيار قوات النظام وفرار بشار الأسد إلى موسكو وإعلان السيطرة على مدينة دمشق بتاريخ 08/12/2024 وبداء مرحلة جديدة من تاريخ سورية المعاصر والذي لم تضح معالمه بعد. (صورة 2)

_ واقع الأثار في مدينة حلب خلال فترة سيطرت قوات نظام الأسد
بعد سيطرت قوات نظام الأسد على مدينة حلب عام 2016 أصبحت ملف الآثار والمدينة القديمة موضع اهتمام وقلق بالغ للمختصين في هذا المجال نتيجة حجم الدمار الهائل الحاصل في المدينة القديمة والتخوف من قدرت النظام على التعاطي بحرفية وموضوعية مع هذا الملف مع نقص الكوادر والإمكانيات المادية لتغطية الاحتياجات المرحلية. لكن النظام سرعاً ما سعى لاستغلال ملف التراث في مدينة حلب لتحقيق مكاسب سياسية كما فعل بمدينة تدمر. حيث بدأ بتنفيذ عدد محدود من مشاريع الترميم وإعادة التأهيل لبعض أسواق مدينة حلب الأقل تضررا كما بدأ بترميم وإعادة بناء مئذنة الجامع الأموي بحلب. من خلال شراكات وتمويل مع عدة جهات دولية سعت للتطبيع مع نظام الأسد قبل إيجاد حل سياسي للأزمة الإنسانية المستعصية منذ العام 2011.
أعمال الترميم تمت في ظروف غير مناسبة حيث تعاني آثار حلب من قلة الكوادر المختصة ونقص في الدراسات. وأكثر ما يعيب هذه الأعمال أنها لم تراعي احتياجات المجتمع المحلي الذي تم إقصائه بشكل كامل عن تراثه ولم يعطى الدور المسلوب منه رغم النداءات المتواصلة لتصحيح أخطاء الماضي. وللأسف أغلق مسؤول الآثار أذانهم ولم يقبلوا أي آراء أو مشورات من علماء الآثار السورين والجهات الدولية التي دعت لاحترام القوانين والمواثيق الدولية في عملية الترميم. وخير مثال على ذلك التجاوزات التي حصلت في ترميم الجامع الأموي بحلب وإحداث إضافات من شأنها أن تنزع الجامع من محيطه الثقافي، حيث صدرت بيانات تحذيرية عدة تبين الأخطاء الترميمية الحاصلة فيه حيث أصدر المهندس المتخصص في شؤون التراث (محمد نبهان) بيان دع فيه لإنقاذ الجامع وغيره من المباني التاريخية التي يتم ترميمها بشكل خاطئ[1].
إضافة إلى ذلك، أحدث زلزال 6 شباط 2023 أضرار في بعض المباني الأثرية المتضررة أصلا من القصف السابق. حيث جرت أعمال تدعيم إسعافي لتثبيت الضرر كم في قلعة حلب. (صورة 3)
[1] – رابط النداء التحذيري الذي أطلقه المهندس المعماري محمد النبهان: https://linksshortcut.com/gwljc

_ تقييم الحالة الراهنة لآثار حلب بعد التحرير
بعد سيطرت الثورة السورية على مدينة حلب عقب انسحاب قوات النظام من المدينة دون قتال الأمر الذي حافظ على الممتلكات العامة دون إلحاق أي ضرر بما في ذلك متحف حلب الذي لم يتعرض لاي انتهاك خلال الأيام الماضية وهو محمي الآن بشكل جيد. كما أن العاملين في المتحف ومديرية الآثار عادوا لممارسة مهامهم دون حدوث أي تغيير في البنية الإدارية لمديرية الآثار والمتحف. كما يقوم حراس يتبعون لقوات ردع العدوان بمؤازرة حراس المتحف الأساسيين، لتقديم الحماية وتأمين المتحف خلال هذه المرحلة. (صورة 4)

أما بالنسبة لقلعة حلب فهي لا تزال مغلقة من قبل إدارة العمليات العسكرية حتى تاريخ كتابة هذا التقرير ولا يسمح بزيارتها حتى من قبل العاملين في مديرية الآثار والكادر الإداري للقلعة. في حين أن ساحة القلعة ومحيطها أصبح مركزا رئيسياً لاحتفالات النصر بالحرية حيث يتوافد أهالي المدينة والمهجرين من المناطق الأخرى بشكل يومي لرؤية القلعة والاحتفال بمحيطها والتقاط صور تذكارية مع قلعتهم كرمز للنصر. (صورة 5)

أما بالنسبة للمدينة القديمة فلم تسجل أي انتهاكات وأضرار خلال هذه المرحلة. لكن الملفت للانتباه هو وجود العديد من مشاريع الترميم والتأهيل والتدخل الإسعافي لتدعيم أجزاء متضررة من بعض المباني. بتمويل من عدة جهات دولية كالأمم المتحدة ومؤسسة الأغا خان وحكومة اليابان وسلطنة عمان ومديرية الآثار ومديرية الأوقاف. بعض هذه المشاريع قيد التنفيذ ولكنها توقفت حاليا بعد الأحداث الأخيرة دون استكمالها، ولا نعلم إن كانت الجهات المشرفة على هذه المشاريع وخاصة الجهات الدولية ستواصل عملها في ظل التغيرات السياسية الجديدة. مع لعلم أن هذه المشاريع كانت مسيسة إلى حد ما، وكان بعضها يتم بالشراكة مع منظمة الأمانة السورية للتنمية والتي تتبع بشكل غير مباشر لأسماء الأسد والتي لم يعد لها مكان في سورية الجديدة. (صورة 6)

أهم أعمال الترميم قيد التنفيذ في مدينة حلب
_ أسوار قلعة حلب حيث تجري أعمال تدعيم للأضرار الناجمة عن زلزال 6 شباط بتمويل من مؤسسة الأغا خان للخدمات الثقافية والجهة المنفذة وزارة السياحة (صورة 7)

_ الجامع الأموي ومئذنته بتمويل من جمهورية الشيشان والتنفيذ من قبل الإنشاءات العسكرية (صورة 8)

_ خان الصابون بتمويل من مؤسسة الأغا خان للخدمات الثقافية و ALIPH (صورة 9)

_ مشروع أحياء سوق العبي بإشراف مجموعة دياري والأمانة السورية للتنمية (صورة 10)

_ جامع ومدرسة الحلوية بتمويل من مؤسسة الأغا خان للخدمات الثقافية و ALIPH والتنفيذ من قبل مديرية الأوقاف والمديرية العامة للآثار (صورة 11)

_ متحف التقاليد الشعبية (بيت أجقباش) ومتحف ذاكرة المدينة (دار غزالة) بتمويل عماني حيث تجري أعمال الترميم على مراحل.
_ تقييم الحالة الراهنة لمتحف حلب
تعرض متحف حلب خلال المراحل السابقة للمجموعة من المخاطر، لوقوعه بالقرب من مناطق الاشتباك. لذلك أجريت مجموعة من أعمال الحماية المؤقتة كتغطية المنحوتات المعروضة في حدائق المتحف، وإغلاق المستودعات. (صورة 11)

كما جرى نقل القطع الثمين إلى البنك المركزي وحفظها كوديعة عام 2013، تلا ذلك نقل مجموعة كبيرة من مقتنيات المتحف وحفظها في مستودعات متحف دمشق عام 2015. وبالرغم من عدم تعرض مقتنيات المتحف الأثرية لأضرار مباشرة نتيجة الحرب إلا أن مبنى المتحف تضرر بشكل كبير نتيجة التفجيرات التي حصلت بجواره وتعرضه لقصف مباشر أكثر من مرة. كما ألحق زلزال السادس من شباط أضرار إضافية للمبنى.
بعد سيطرة قوات نظام الأسد على المدينة أعيد افتتاح متحف حلب عام 2019 من خلال صالتي عرض تم تأهيلهم فقط من مجموع ثماني صالات. وتم إعادة قطع الوديعة فقط إلى متحف حلب لاستكمال العرض الجديد. في حين تم تحويل صالة عرض المنحوتات الأشورية والآرامية في الطابق الأرضي لمستودعات مليئة بالقطع الأثرية والتي جرى نقلها من مواقع أخرى كمتحف التقاليد الشعبية، الذي نهبت مجموعة كبيرة من مقتنياته عام 2013. وقطع الدراسة المنقولة من بعض مواقع الحفريات في شرق محافظة حلب، وهي مكدسة بشكل عشوائي دون خزن لحفظها أو تصنيفها وهي عرضة لمختلف العوامل الجوية. أما في صالات العرض في الطابق العلوي فالوضع فوضوي بشكل كبير وهي شبه مهجورة، إضافة إلى تضرر هذا الطابق من المتحف بشكل كبير نتيجة الحرب والزلزال.
هذه الفوضى والتراجع في حالة الحفظ في متحف حلب تعود لقلة الكوادر العاملة في المتحف من الآثاريين وعدم جدية المديرية العامة في المحافظة على المتحف.
_ المخاطر والتحديات للمرحلة القادمة
على الرغم من أن الحالة السياسية والإدارية للمرحلة المقبلة لم تكتمل بعد، رغم تشكيل حكومة انتقالية (حكومة تصريف أعمال) بعد يومين فقط من الإطاحة بنظام الأسد. إلا أن جهات دولية عدة ومختصين وخبراء في مجال الآثار قاموا بشكل سريع في التواصل مع الآثاريين العاملين في المديرية العامة وجهات أخرى معنية بملف التراث من أجل وضع خطط ومشاورات لدعم ملف الآثار مستقبلاً، لكن هذه الاتصالات ينقصها التنظيم وتتم بشكل فردي دون وجود خطة واضحة ومنظمة لإدارة المرحلة الحالية. إضافة إلى ذلك هناك تخوف حقيقي من المحافظة على النهج السابق المتبع من قبل المديرية العامة للآثار والمتاحف في إدارة ملف الآثار والتي انتهجت سياسة خاطئة تقوم على إقصاء الخبرات ومنظمات المجتمع المدني من خارج ملك المديرية العامة. كم أنه لم تراعي احتياجات ومصالح المتجمع المحلي في المناطق الأثرية.
اما فيما يخص مدينة حلب فقد بدأت الحياة والروح بالعودة للمدينة بشكل أسرع من المتوقع، حيث اندفع الآلاف من أبناء المدينة والذين كانوا مهجرين في مخيمات الشمال السوري لزيارة المدينة وتفقد منازلهم المدمرة جزئياً أو كلياً أو التي لا تزال بحالة سليمة لكنها مهجورة منذ رحيلهم عنها قسرا نتيجة الخوف والاضطهاد. هذه العودة السريعة فرضت تحديات جديدة يجب التعامل معها. وأهم هذه التحديات أن هؤلاء المهجرين سيعودون للسكن في بيوتهم ضمن حارات حلب القديمة هذه الأحياء الغير مؤهلة للسكن في الوقت الحالي مما سيفرض قيامهم بإجراء أعمال تنظيف وترميم لمساكنهم قد تؤثر على النسيج العمراني التاريخي لتلك الأحياء في ظل ضعف الرقابة الأثرية في هذه المرحلة. كما أن عمل الجهات الأثرية المختصة لمراقبة أعمال الترميم ستكون صعبة للغاية بسبب حجم العمل والمساحة الكبيرة للمدينة التاريخية وقلة الكوادر وخبراتهم المحدودة بعد هجرة أغلب الكفاءات. وهنا تجدر الإشارة إلا أن القوانين السابقة التي فرضتها الدولة لم تتعطى بشكل أخلاقي مع احتياجات المجتمع المحلي والذي يطمح اليوم لإنصافه من قبل السلطة الجديدة.
التحدي الثاني هو المشاريع قيد التنفيذ والتي توقفت نتيجة تغيير السلطة وسقوط النظام السابق. فلابد من معرفة مصير هذه المشاريع وتقييم مراحل الإنجاز وإعداد دراسات لاستكمال العمل في حال أوقفت الجهات المانحة تمويلاتها.
التحدي الأخر هو مصير الكوادر العاملة في مديرية الآثار هل ستستمر في عملها مع الإدارة الجديدة وهل سيتم تعويض نقص الكوادر بعناصر جديدة من قبل السلطة الحالية وهل سيسمح للمنشقين والمفصولين تعسفياً من الموظفين القديمين بالعودة لشغل مناصبهم السابقة. وكيف ستكون العلاقة بين الموظفين الحاليين والموظفين المنشقين في حال عودتهم لممارسة أعمالهم.
_ توصيات
يجب علينا في المرحلة الحالية بذل جهد إضافي لرفع الوعي بأهمية الآثار وضرورة المحافظة على الوضع الراهن للمدينة القديمة ريثما يتم اتخاذ قرارات للبدء بعملية إعادة الإعمار وتأهيل المباني المتضررة. مع مراعاة عدم التأخر في عملية إعادة التأهيل من أجل عودة السكان إلى منازلهم وأسواقهم في مدينة حلب القديمة، والتي بدأت بالفعل بشكل عشوائي وسريع مع تحريرها.
كم أنه يجب تنسيق وتوحيد الجهود بين مختلف الجهات المعنية بحفظ التراث في مدينة حلب وإنشاء مجموعة عمل مشتركة والاستفادة من الخبرات والكوادر السورية داخل سورية وإشراك الخبراء والكفاءات السورية من المهجرين نتيجة الحرب خارج سورية، وإعطائهم حق المشاركة في إنقاذ وحفظ تراث بلادهم الثقافي لتكونوا رديف ومساعد للجهات الأثرية الرسمية في المرحلة الحالية نظراً لحجم العمل ولتعويض نقص الإمكانيات والكوادر في المديرية العامة للآثار والمتاحف.