إعداد: عمار كناوي
تم إعداد هذا التقرير بناءً على أعمال الاستجابة الطارئة لما بعد الزلزال والتي بدأت منذ النصف الثاني من شهر شباط واستمرت لنهاية شهر حزيران 2023. وعلى الرغم من خطورة الوضع إلا أنه حتى تاريخ نشر هذا التقرير لم يتم إجراء أي تدخل إسعافي أو أعمال حماية كاستجابة طارئة للكارثة من قبل أي جهة ومنظمة معنية في المنطقة. باستثناء أعمال التدخل الإسعافي لبعض الأجزاء المتضررة من قلعة سمعان والتي نفذتها مؤسسة سمات منتصف شهر أيار 2023.
تعرضت منطقة شمال غرب سورية لزلزال مدمر صبيحة يوم 02/06/2023 كان مركزه جنوب تركيا تحديدا ولاية كهرمان مرعش على بعد 90 كم من الحدود السورية الشمالية. أدى الزلزال إلى أضرار جسمية حيث سقطت العديد من المباني وتصدع البعض منها وقتل ألاف الأشخاص إضافة إلى وقوع خسائر كبيرة في الممتلكات والبنية التحتية. هذا الزلزال فاقم من معاناة سكان المنطقة المنكوبة أصلا نتيجة الحرب في سورية منذ العام 2011. تضم هذه المنطقة نحو ستة ملايين شخص نصفهم من النازحين والمهجرين من مناطق مختلفة من سورية بحسب منسقو الاستجابة في سورية.

خارطة تبين مركز زلزال 06/02/2023 نقلا عن هيئة الإغاثة التركية – آفاد
_ أثر الزلزال على المواقع الأثرية
تعتبر منطقة شمال غرب سورية واحدة من أغنى المناطق السورية في المواقع الأثرية ذات الصروح المعمارية. حيث تضم المنطقة المئات من الموقع الأثري التي تعود للفترة الرومانية والبيزنطية والمعروفة باسم القرى الميتة، والتي تضم مباني أثرية في حالة حفظ جيدة مبنية من الحجارة الكلسية الكبيرة. أثرت الزلازل تاريخيا على المنطقة بشكل كبير وكانت أحد الأسباب التي يعتقد أنها كانت سبب في هجر تلك القرى في القرن السابع الميلادي. فقد تعرضت المنطقة لعدت زلازل مدمرة أهمها زلزال حلب عام 1138م. لكن العناصر الإنشائية للقرى الأثرية المبنية من الحجارة ذات الأوزان الكبيرة قاومت الهزات العنيفة واستقرت على الحالة المعروفة اليوم رغم وجود العديد من التصدعات وهي لا تشكل خطر على زوار تلك المواقع إلا في بعض الأجزاء الهش والغير ثابتة بشكل جيد.
لكن المؤشرات الأولية تشير إلى أن زلزال 6 من فبراير سجل أضرار طالت تلك المواقع الأثرية نتيجة شدة الزلزال والتي بلغت 7.8 ريختر. إضافة تغير ثبات المباني الأثرية بسبب التعديات التي طالت المواقع الأثرية خلال فترة الحرب السورية منذ العام 2011 حيث تعرضت العديد من المواقع الأثرية لأضرار سابقة ناجمة عن القصف والتخريب والحفر السري إضافة إلى سكن النازحين في المواقع الأثرية والقيام ببعض الإضافات عليها الأمر الذي أفقد بعض المباني توازنها وثباتها وجعل مقاومتها لعوامل الطبيعة أضعف من السابق.
_ الاستجابة الطارئة
على الرغم من الأزمة الإنسانية الحادة التي أوجدها الزلزال والمخاطر المحتملة نتيجة الهزات الارتدادية وحالة الخوف التي سيطرت على الجميع. كان من واجبنا عدم إغفال ملف حماية المواقع الأثرية المتضررة منه. لذلك قمنا بإيقاف أعمال الحماية التي كنا نقوم بها في موقع عين دارة، والإسراع في عملية تقييم الحالة الراهنة للمواقع الأثرية المتضررة. من خلال خطة استجابة طارئة لمنظمة سمات وبالتعاون مع مركز آثار ادلب الذين ساهموا في العمل بشكل تطوعي لعدم توفر دعم مادي لتغطية نفقات العمل. كانت خطة العمل تقضي بما يلي:
1_ إجراء مسح أولي للمواقع الأثرية في منطقة شمال غرب سورية من خلال زيارات ميدانية وتحديد المواقع المتضررة جراء الزلزال. لم تكن مهمة تحديد الضرر الناجم عن الزلزال سهلة لوجود أضرار عديدة في تلك المواقع ناجمة عن تعديات سابقة. لذلك اعتمدنا على معلومات السكان المحليين والنازحين القاطنين في المواقع الأثرية وجوارها، إضافة إلى تحليل الانهيارات في الجدران وملاحظة سطوح الأحجار المنهارة وتحديد تاريخ الانهيار من خلال طريقة تموضعها على طبقة التراب السطحية ساعد على ذلك أن الزلزال حدث خلال أيام ماطرة حيث انغمست الأحجار المنهارة حديثاً بطبقة من الوحل.

انهيار جدار آثري في موقع خربة الخطيب يظهر انغماس الأحجار بالطبقة السطحية من الوحل © سمات
2_ إجراء مقارنات بين الحالة الراهنة لبعض المباني الهامة مع صور مأخوذة سابقاً حيث أظهرت هذه المقارنات مواقع الضرر أو أكدت سلامة المباني. فعلى سبيل المثال أكدت هذه الآلية سلامة مبنى كنيسة قلب لوزة من أي ضرر أو تشققات إضافية رغم ما أشيع عن تعرضها للضرر.

كنيسة قلب لوزة – مارس 2023 © سمات
3_ إعداد بطاقة توثيق وتقييم الأضرار والمخاطر للمباني المتضررة.
3_ العمل على إطلاق تحذيرات بضرورة إخلاء المواقع المتضررة والتي تشكل خطر على محيطها البشري من النازحين بالتنسيق مع المجالس المحلية ومنظمات المجتمع المدني المعنية بتأمين مراكز إيواء لمتضرري الزلزال.
4_ وضع خطة عمل وإعداد دراسة للمواقع والمباني المتضررة والتي تحتاج لتدخل إسعافي طارئ لتدعيمها ومنع انهيارها.
_ المخاطر
أكدت أعمال المسح الأولي وجود أضرار طالت المواقع الأثرية خاصة تلك المواقع التي تعرضت لتعديات سابقة، يتركز الخطر في الأجزاء التي تصدعت من تلك المباني ولم تنهار حيث تشكل مخاطر كبيرة على محيطها البشري من السكان النازحين والمهجرين الذين يقيمون في مخيمات ضمن وبجوار تلك المواقع. كما أن هذه التصدعات قد تستقر على النحو الحالي كما استقرت التصدعات والتشققات الأخرى الناجمة عن زلازل تاريخية متعاقبة. لذلك لابد من التدخل الفوري لدراسة وتوثيق هذه التصدعات والتأكد من ثبت المباني، لطمأنه أو تحزير السكان المحليين والمهجرين في تلك المناطق وعدم السماح لهم باتخاذ تدابير فردية من قبلهم تلحق أضرار بتلك المباني. وكمثال على ذلك قام مجموعة من النازحين المقيمين في موقع دير قيتا الأثري والمدرج على قائمة التراث العالمي،

موقع ديرقيتا الآثري يظهر انتشار خيام النازحين بين الأوابد الأثرية © سمات
بمحاولة هدم أحد الأبنية المتصدعة من الزلزال الأخير، ظناً منهم أنه يشكل خطر على محيطه البشري دون مراعاة الأهمية الأثرية والتاريخية للمبنى وبدون التأكد من مدى ثبات المبنى، ولكن تدخلنا في الوقت المناسب حال دون هدم المبنى وتم إبلاغ الجهة الإدارية في المنطقة بضرورة عدم إزالة أو هدم أي أثر متضرر ريثما يتم تقييم الحالة الراهنة لسلامة تلك المواقع من قبل فرق مختصة.

المبنى الأثري المراد إزالته في موقع ديرقيتا خوفا من انهياره نتيجة الزلزال © سمات
_ أهم الأضرار الناجمة عن الزلزال
أحدث الزلزال أضرار متفاوتة من موقع لآخر وبنسب مختلفة بحسب طبيعة كل مبنى وقربه من خط تأثير الزلزال. وكانت المواقع الأثرية في منطقة حارم الأشد تأثراً من حيث انتشار الأضرار وحجمها ومن بين تلك المواقع قلعة حارم الإسلامية. حيث انهارت أجزاء من الأسوار وبعض الأسقف والعقود وحصل تشققات عديدة في مباني القلعة،

انهيار أجزاء من أسوار قلعة حارم © سمات
كما أحدث الزلزال العديد من الثغرات والفتحات في أسطح مباني القلعة والتي يخشى من سقوط الأشخاص فيها فهي ذات أعمق كبيرة تصل إلى 6 م .

انهيارات أحدثت ثغرات في أسطح مباني قلعة حارم © سمات
أما بالنسبة للقرى الأثرية في الكتلة الكلسية فقد تعرضت لأضرار متفاوتة حيث انهارت جدران بعض المباني وتصدع البعض منها إضافةً إلى حدوث إنزياحات في بعض الأحجار وظهور شقوق في الجدران والأحجار. كما حصل في قلعة سمعان والبارة وباقرحا وموقع داحس وغيها من المواقع الأخرى. )

جدار أثري منهار في موقع باقرحا © سمات

أبنية أثرية منهارة في موقع داحس © سمات
كما تأثرت المباني التاريخية والأثرية التي تقع ضمن مراكز المدن في كل من ادلب وحارم وأريحا وسلقين وأرمناز. حيث سقطت مآذن لمساجد اثرية كمئذنة جامع أريحا الكبير،

الصورة 9 انهيار مآذنة جامع أريحا الكبير © أيمن النابو
وحصلت تصدعات وانهيارات في بعض المنازل التاريخية كما في مدينة ادلب كبيت غنوم وبيت فتحي عياشي بالإضافة الأضرار التي لحقت السيباطات والحمامات الأثرية.

أضرار لحقت ببيت غنوم التاريخي في مركز مدينة ادلب © مركز آثار ادلب
وفي مثال أخر تعرض موقع تل عين دارة لأضرار طالت المعبد العائد لعصر الحديد حيث تحطمت أجزاء من المنحوتات البازلتية لواجهات المعبد خاصة في الواجهة الشمالية،

أضرار لحقت بمنحوتات معبد عين دارة نتيجة الزلزال © سمات
والتي كانت تعاني من ضعف وعدم استقرار نتيجة قصف سابق تعرض له المبنى عام 2018 إضافة إلى ظهور تشققات وانهيارات في جسم التل خاصة أسفل المعبد من جهة الشرق، والذي ربما تأثر بسبب ضعف ثبات الطبقات الأثرية في مواجهة الزلازل نتيجة شق طريق بواسطة الجرافة عام 2019 لأعلى التل، هذه التشققات تشكل خطر على انهيار أجزاء من التل التي بني المعبد فوقه.
_ التوصيات
من خلال معاينة الواقع الراهن ما بعد الزلزال وتحديد الأضرار والمخاطر الناجمة عنه نوصي بإعطاء الأولوية للتدخلات التالية لأهميتها:
1_ التدخل في المباني التاريخية والأثرية ضمن مراكز المدن كون هذه المباني مأهولة بالسكان وهناك مخاطر على سلامتهم في حال بقاء الوضع على ما هو عليه إضافة لوجود تخوف من القيام بأعمال هدم وإزالة للأجزاء المتضررة من قبلهم أو ترميمها بشكل خاطئ.
2_ التدخل في قلعة حارم فقد يؤدي انهيار أجزاء من السور والجدار الاستنادي إلى أضرار على الأبنية السكنية المنتشرة أسفل القلعة وبمحيطها كون القلعة تقع على تل مرتفعة ضمن مركز المدينة. بالإضافة إلى التدخل لمعالجة التصدعات والانهيارات في الأبنية داخل القلعة منعا لتفاقم هذه الأضرار نتيجة تسرب مياه الأمطار والعوامل الجوية. كم أن القلعة مركز رئيسي لاستقبال الزوار المحليين والرحلات المدرسية وقد تؤدي الفتحات والثغرات التي أحدثها الزلزال إلى مخاطر على الأطفال بشكل خاص.
3_ التدخل في قلعة سمعان للحفاظ على ركام الأجزاء المنهارة من قوس البازليك الغربية والذي يشكل أحد أضلاع المثمن المحيط بعمود القديس سمعان نظراً للأهمية التاريخية الاستثنائية لهذا المبنى وحفظ هذه الأحجار لترميمها مستقبلا وإعادة بناء الواجهة والقوس بنفس الأحجار كون معظمها لا يزال بحالة سليمة وقابلة لإعادة البناء.
4_ المواقع الأثرية التي تضم مخيمات لسكن النازحين حيث تحتاج هذه المواقع إلى تقييم الحالة الإنشائية لتحذير أو طمأنة السكان بسبب تخوفهم من ثبات تلك الأبنية مع إجراء تدخلات إسعافية لتثبيت الأجزاء الهشة والمتصدعة.
_ خاتمة
نأمل من خلال هذا التقرير والبيانات التي تم جمعها أن تساعد في تحقيق استجابة حقيقية من قبل الجهات والمنظمات المانحة لتعامل مع آثار الكارثة وخاصة الجهات الغير حكومية في ظل تقاعس المنظمات والجهات الدولية وعلى رأسها اليونسكو عن تقديم إي دعم طارئ بعد الكارثة.
كما نأمل من السلطات الإدارية وفرق الاستجابة الطارئة العاملة في المنطقة بعدم اتخاذ إجراءات سلبية في المواقع الأثرية والتنسيق مع منظمات المجتمع المدني المعنية بحفظ التراث لتقييم الحالة الراهنة واتخاذ خطوات علمية تؤمن حماية تلك المباني وخاصة المباني التاريخية في مركز المدن.
في النهاية ننوه إلى أن تنفيذ مشاريع الحماية للمواقع الأثرية في الوقت الحالي سيساعد بشكل كبير على حفظ تلك المواقع وسيعزز من أهمية عمل فرق حفظ التراث المحلية وسيلبي حاجات السكان المحليين خاصة في مدينة حارم الذين يأملون في تأهيل القلعة والشعور بالأمان عند زيارتها أو زيارة أطفالهم لها.