يشكل جبل الزاوية الجزء الجنوبي من الكتلة الكلسية، ويوجد ضمن هذا القطاع الواسع الواقع في محافظة إدلب متنزهان أثريان:

أولاً _ المتنزه رقم /4/ والذي يضم مواقع البارة ووادي مرتحون ومجاليا وبترسا وبشيلا وشنشراح (أو خربة حاس) وربيعة بعودة ودللوزة وسرجيلا.

ثانياً _ المتنزه رقم /5/ والذي يضم قريتي رويحة وجرادة.

المتنزه الأثري رقم /5/

يمتد المتنزه الواقع في محافظة إدلب على المنحدر الشرقي لجبل الزاوية، ويضم قريتين هما رويحة وجرادة، إضافة إلى الامتداد الطبيعي بينهما الذي حافظ على آثار استثنائية للتقسيمات الزراعية الكلاسيكية لعدة كيلومترات. حفظت التقسيمات على مساحة واسعة وتميّزت بجدران منخفضة (أقل من 30 سم)، تمتد على شكل خطوط مستقيمة،

 

وتشكل شبكة متعامدة. ويعود المشهد الزراعي الذي ما يزال مرئياً اليوم إلى فترة تاريخية متأخرة بعد أن حصلت التعديلات على الشبكة الأولية في القرن الثامن وأحياناً القرن العاشر. يمكن تمييز التقسيمات الحديثة بسهولة، وهي منفذة على الواقع بجدران أعلى (حوالي 1م)، وتتألف من حجارة مكدسة من صف واحد، فتظهر بينها فراغات متعددة، والأحجار المستخدمة أكبر، ويمكن للمسارات الحديثة أن تكون مستقيمة أو متعرجة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

صورة رقم 1. خريطة توضح توزع القرى في المتنزه الأثري رقم 5.  

قرية رويحة

تقع قرية الرويحة في الجهة الشمالية الشرقية من جبل الزاوية بالقرب من بلدة سرجه، وإلى الشمال من معرة النعمان بـ 15كم. تتميز بموقعها المرتفع على هضبةٍ مطلّةٍ على السهول الزراعية المجاورة، ويحيط بالموقع اودية عميقة تفصلها عن موقع جرادة المجاور لها.

كانت في القرن الخامس الميلادي تابعة لأنطاكية عاصمة سوريا الأولى، برزت هذه القرية في مطلع القرن الثالث الميلادي، ولكن ازدهارها تمّ في القرن الخامس الميلادي، ويُفترض أن القرية مع نهاية القرن الخامس وخلال القرن السادس الميلادي قد استوطنها كبار ملاكي الأراضي الذين قاموا ببناء البيوت الضخمة ذات الجدران العالية وهذا ما يميز قرية الرويحة عن بقية القرى الأثرية المجاورة.

تشتهر هذه القرية بوجود كنيسة بيزوس إحدى أكبر الكنائس في جبل الزاوية، ولأنها الكنيسة البازيليكية الأولى في تاريخ الهندسة بوجهٍ عام، أيضاً تتميز بمدافنها التي لازالت تتحدى الزمن، ومنها ضريح بيزوس الفريد.

صورة رقم 2. رسم منظوري لكنيسة بيزوس في رويحة

(عبد الكريم مأمون: القرى الأثرية في الكتلة الكلسية شمال سورية، المعهد الفرنسي في الشرق الأدنى، بيروت، 2011)

توثيق الحالة الراهنة:

تتميز رويحة بتواجد تجمع سكاني صغير ضمن الموقع الاثري منذ فترة ما قبل الحرب يعمل سكانه بالزراعة وتربية المواشي، وقد ساهم هذا التواجد السكاني في حماية الموقع من التعديات الخارجية حيث استعمل السكان بعض المباني الاثرية السليمة كحظائر للدواب.

ويمكن تحديد التعديات بما يلي:

1- تكسير الحجارة الأثرية:

نلاحظ ان هناك عمليات تقطيع للأحجار الكبيرة من الأبنية الأثرية داخل الموقع لتتناسب مع استخدامها في البناء الحديث، حيث نشاهد أكوام من الحجارة المقطعة في أماكن متفرقة من الموقع.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

صورة رقم 3. تقطيع الأحجار الأثرية لإعادة استخدامها. ملكية الصورة: مركز آثار إدلب.

 

 

2- السكن الحديث:

هناك العديد من الأبنية الحديثة المتواجدة ضمن الموقع منذ فترة ما قبل الحرب، حيث بنيت هذه الأبنية بحجارة حديثة واستخدم في بناؤها الاسمنت والحجر وقد حافظت هذه الأبنية على وجودها دون إضافات حديثة تسيء للمشهد العام للموقع.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

صورة رقم 4. صور توضح العمران الحديث. ملكية الصورة: مركز آثار إدلب.  

3- استخدام بعض أبنية الموقع كسكن مؤقت أو حظائر للمواشي:

نتيجة لظروف الحرب وغياب السلطات الاثرية تم تحويل قسم من مباني القرية الاثرية كحظائر للمواشي، حيث تم تسكير بعض النوافذ والأبواب باستخدام مادة الحجر والطين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

صورة رقم 5.  استخدام بعض أبنية الموقع كسكن مؤقت أو حظائر للمواشي. ملكية الصورة: مركز آثار إدلب.

كما يلاحظ بعض الاضافات الحديثة كعمل سور للحظائر لحفظ المواشي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

صورة رقم 6.  استخدام بعض أبنية الموقع كسكن مؤقت أو حظائر للمواشي. ملكية الصورة: مركز آثار إدلب.

4- التواجد العسكري:

في الطرف الشرقي من الموقع كان هناك تواجد لفصيل عسكري حيث عمدوا إلى بعض الإضافات المعمارية الحديثة على البناء الأثري باستخدام الاسمنت لكن لا يوجد أي تهديم للأبنية الاثرية ولم نتمكن من الحصول على صور لهذا التعدي.

 

 

المحيط البيئي والمعماري للموقع:

لقد حافظت قرية رويحة بشكل عام على المشهد الطبيعي المحيط بالموقع، فلا تزال الحقول المجاورة على حالتها السابقة، ورغم وجود بعض الأبنية الحديثة وبعض الإضافات إلى الأبنية القديمة إلا أن الموقع لا يزال محافظاً على نفسه بشكل جيد وذلك حتى عام 2019. ولكن مع قدوم العام 2020، أصبحت هذه المنطقة مهددة بالخطر وأصبح هذا الموقع على خط النار والاشتباكات المسلحة.

 

قرية جرادة

تقع جرادة شمال معرة النعمان، وتبعد عنها حوالي 12كم، وإلى الشرق من قرية الرويحة التي تبعد عنها 1.5 كم، يقع الموقع ضمن البيوت السكنية على سفح الهضبة، يخترق الموقع طريق الرويحة – معرة النعمان، تتوزّع المباني من الشمال إلى الجنوب وما تزال محفوظة بشكل جيد.

ازدهرت هذه القرية في القرنين الخامس والسادس الميلاديين، حيث يلاحظ العديد من الأبراج التي استخدم بعضها لأسبابٍ دينيةٍ وبعضها أبراج مراقبة، وبعضها استخدم كملاجئ أثناء الغزوات ضد القرية.

إن ما يميز جرادة هو طبيعة الأراضي الزراعية الملائمة لإقامة العديد من الزراعات مما ساعد بالتنوع والغنى، وانعكس ذلك على طبيعة المباني التي تتميز بالضخامة، وهذا يؤكد ان معظم البيوت كانت للأغنياء.

 

 

 

صورة رقم 7. صورة لأحد أبراج قرية جرادة. ملكية الصورة: مركز آثار إدلب.

توثيق الحالة الراهنة:

يتميز موقع جرادة بوجود سكان محليين ضمن تجمع قروي صغير، لذلك فقد حافظ هذا الموقع على هويته الأثرية من قبل حماية هؤلاء السكان له، ولكم هذا لا يمنع وجود بعض التعديات.

يمكن تحديد التعديات بما يلي:

1- تقطيع الحجارة الأثرية:

نلاحظ أن هناك عمليات تكسير وتقطيع للحجارة الكبيرة من الأبنية الأثرية داخل الموقع لتتناسب مع البناء الحديث، كما تُشاهد في الموقع أكوام من الحجارة المفروزة لتخصص للنقل لاحقاً لاستخدامها في البناء الحديث.

 

 

 

 

 

 

 

 

صورة رقم 8. تقطيع الأحجار الأثرية لإعادة استخدامها. ملكية الصورة: مركز آثار إدلب.

2- إشغالات بأبنية حديثة:

هناك بعض الأبنية الحديثة متواجدة على أطراف الموقع في أماكن متفرقة مما أدى إلى تخريب المشهد الثقافي الأثري للموقع.

 

 

 

 

 

 

 

 

صورة رقم 9. صور توضح العمران الحديث. ملكية الصورة: مركز آثار إدلب.

3- تربية المواشي:

بسبب التواجد السكاني على أطراف هذا الموقع فقد تم استخدام بعض المباني لتربية الحيوانات، ودليل ذلك هو مشاهدة بعض المعالف وبقايا العلف وروث الحيوانات الذي انتشر في أماكن متفرقة من الموقع.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

صورة رقم 10. استخدام الموقع لتربية المواشي. ملكية الصورة: مركز آثار إدلب.

4- الحفر السري:

نلاحظ وجود القليل من الحفر العشوائية في الموقع، وهي حفر حديثة قليلة العمق تدلّ على أن الموقع شهد أعمال حفر سريّ، ولكنها لم تلحق أي أضرار بأبنية الموقع.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

صورة رقم 11. الحفر والتنقيب السري في موقع جرادة. ملكية الصورة: مركز آثار إدلب.

المحيط البيئي والمعماري للموقع:

لقد حافظت قرية جرادة بشكل عام على المشهد الطبيعي المحيط بالموقع، ورغم وجود بعض التعديات البسيطة من تقطيع الحجارة الأثرية والزحف العمراني الحديث إلا أن الموقع لا يزال محافظاً على نفسه بشكل جيد حتى عام 2019م، ومع بداية العام 2020م أصبحت المنطقة معرضه للخطر تحت خط النار والاشتباكات المسلحة وقد سيطرت قوات النظام السوري وميلشياته على قرية جرادة في بداية العام 2020 وتعتبر قرية جرادة اليوم خط اشتباك.

 

الملخص: 

من خلال التقرير الحالي نلاحظ حجم الأضرار التي تعرضت لها القرى الأثرية المسجلة على لوائح التراث العالمي، إلا أننا نؤكد أن أغلب هذه الأضرار لم تلحق أضرار جسيمة تخرج هذا القرى عن المشهد الثقافي والأثري المميز لها والذي ساهم في تسجيلها على هذه القائمة. ونستثني من ذلك موقع البارة الذي تعرض لأضرار أكبر من حيث الانتشار كما سيرد في تقرير مركز آثار إدلب لاحقاً. إضافة إلى موقع وادي مرتحون والذي لم نتمكن من توثيقه ولكننا نرجح أنه تعرض لأضرار وتخريب كبير شوه الموقع وأخرجه عن وظيفته الأثرية والثقافية المميزة.

إما باقي المواقع فأغلب الأضرار من النوع الخفيف والتي يمكن إزالة أثارها مع الزمن باستثناء بعض أعمال التخريب التي طالت عناصر زخرفية معينة ولكنها تجاوزات محدودة لم تنتشر بشكل خطير.

وتبقى نتائج هذا التقرير محصورة في الفترة التي سبقت العمليات العسكرية التي بدأت مع الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي، حيث تعرضت تلك القرى لأضرار جديدة ناجمة عن القصف الجوي والمدفعي إضافة إلى زيادة الانتشار العسكري في المنطقة. كما أصبحت بعض هذه القرى تحت سيطرة قوات النظام السوري والميليشيات الداعمة له كما في شنشرح (خربة حاس) وجرادة. في حين أصبحت جميع القرى الأثرية المتبقية ضمن مناطق الاشتباك والمعارك.

ونحن نأمل ألا تأثر المتغيرات الحالية على الحالة الراهنة لتلك القرى الأثرية وتزيد الوضع سوءً. كما نأمل بعودة السكان المحليين إلى قراهم القريبة من المواقع الأثرية لتكون المنطقة خير مثال على أنماط العيش المشترك بين الانسان ومحيطه التاريخي والبيئي.


هذا التقرير جزء من توثيق المنتزهات الأثرية بإشراف  د. عبد الرزاق معاذ وبتمويل من مؤسسة غيردا هينكل الألمانية

فريق الترجمة: ريم لبابيدي، لورا أباظة.

 

%d مدونون معجبون بهذه: