إعداد عمار كناوي

تعتبر القرى الأثرية في الكتلة الكلسية شمال غرب سورية والتي تدعى ب (المدن الميتة) واحدة من المواقع الأثرية المميزة في العالم لما تتمتع به من حالة حفظ استثنائي للتجمعات العمرانية والتي شكلت قرى ريفية زراعية تعود إلى الفترة الرومانية والبيزنطية.

تأتي الأهمية الاستثنائية لهذه القرى أنها هُجرت في القرن الثامن الميلادي بشكل تدريجي لتصبح الكتلة الكلسية شبه فارغة من السكن طيلة عدة قرون لاحقة وبالتالي حافظت على شكلها القديم دون وجود تغيرات جوهرية في مخططات الأبنية وأشكالها وحفظت لنا بشكل جيد. وربما ساعدت تقنية البناء ونوعية الحجر في حفظها على هذا الشكل الجيد إضافة إلى عملية الهجر.

تمتد قرى الكتلة الكلسية على مساحة واسعة شمال غرب سورية بين الحدود التركية شمالاً ومدينة أفاميا جنوباً بطول 100كم تقريباً وعرض 20كم وتتوزع على مجموعة من الهضاب والجبال وهي جبل سمعان وحلقة وباريشا والأعلى والدويلي والوسطاني وجبل الزاوية. ويبلغ عدد القرى الأثرية المكتشفة في هذه الجبال ما يزيد عن 700 قرية تختلف من حيث درجة الحفظ فبعض هذه القرى مازالت تحافظ على مخططها القديم ومازالت واجهات أبنيتها محفوظة على مستوى عدة طوابق.

نهدف في هذا التقرير لتسليط الضوء على الحالة الراهنة للقرى الأثرية الواقعة ضمن ثلاث من المتنزهات الأثرية المسجلة على لوائح التراث العالمي وهي المتنزه رقم /4-5-6/ وهي استكمالاً لما بدأناه سابقاً من خلال توثيق المتنزه الأثري في الجبل الوسطاني /المتنزه رقم 8/. والذي أنهيناه عام 2019 وتم نشر تقرير علمي بتوثيق الحالة الراهنة للمتنزه على موقع مؤسسة سوريون من أجل التراث /سمات/.

وسنسلط الضوء في هذا التقرير على الحالة الراهنة للمواقع الأثرية خلال سنوات الصراع ورصد المتغيرات والأضرار الحاصلة خلال السنوات السابقة منذ بداية الصراع وحتى النصف الأول من العام 2020. وسنعتمد في دراستنا على الجولات الميدانية وزيارة المواقع الأثرية وتوثيق الأضرار من خلال التصوير الفوتوغرافي وتسجيل شهادات السكان المحليين لمعرفة المتغيرات ومسبباتها.

سنقدم في هذا تقرير تصور عن الوضع الراهن للمتنزه الأثري في الجبل الأعلى لتقديم توثيق كامل للمتنزه الأثري وذلك لإمكانية الوصول إلى جميع قرى المتنزه وتوفر شروط السلامة العامة. في حين سنقدم توثيق عام في وقت لاحق للحالة الراهنة للقرى الأثرية الواقعة ضمن المتنزهين الأثريين في جبل الزاوية / المتنزهين 5-6/ في تقريرين منفصلين. معتمدين بشكل رئيسي على الجولات الميدانية والتوثيق الفوتوغرافي الذي قمنا به حتى نهاية عام 2019 إضافة لبعض أعمال التوثيق التي قمنا بها في بداية 2020 وذلك نتيجة المخاطر الأمنية وعدم توفر أي من شروط السلامة العامة في زيارة هذه المواقع التي أصبحت مناطق عسكرية ومناطق اشتباك بدء من العام 2020 ويحظر على الجهات المدنية التجول أو التصوير فيها.


تم تنفيذ المشروع توثيق المنزه الأثري في الجبل الاعلى من قبل مركز آثار ادلب تحت إشراف علمي وبالتنسيق مع الدكتور عبد الرزاق معاذ  وبتمويل من مؤسسة غيردا هينغل الألمانية

_ تعريف بالمنتزهات الأثرية


لمزيد من المعلومات عن المنزهات الأثرية المسجلة على قوائم التراث العالمي راجع ملف التقديم الخاص بالتسجيل على قائمة الإرث الحضاري باليونسكو، ترجمة لينا قطيفان – كانون الثاني 2009

نظراً لتميز هذه القرى الأثرية وحالة الحفظ الاستثنائية فقدت أدرجت بعض هذه المواقع على قائمة التراث العالمي وقد تم اعتمدها وفق معايير التسجيل الثالث والرابع والخامس. ويبلغ عددها 40 قرية أثرية تم توزيعها على 8 متنزهات أثرية يضم كل متنزه عدة قرى وهي على الشكل التالي:

رقم المتنزه اسم المتنزه القرى الأثرية المنطقة المحافظة
1 جبل سمعان

قلعة سمعان

قلعة سمعان، دير سمعان، رفادة، ست الروم، قاطورة، شيخ بركات دارة عزة حلب
2 جبل سمعان

كفر نبو

كفر نبو، كالتو، خراب شمس، برج حيدر، براد دارة عزة حلب
3 جبل سمعان

سنخار

باطوطة، سنخار، شيخ سليمان دارة عزة

قبتان الجبل

حلب
4 جبل الزاوية

باعودا

البارة، وادي مرتحون، مجاليا، بترسا، بشيلا، باعودا، دالوزة، سرجيلا، شنشراح، ربيعة البارا

حاس

ادلب
5 جبل الزاوية

رويحا

رويحا، جرادة أريحا

معرة النعمان

ادلب
6 جبل الأعلى

قلب لوزة

قلب لوزة، الكفير، قرقبيزة قلب لوزة ادلب
7 جبل باريشا

ديرونية

ديرقيتا، ديرونية، خربة الخطيب، باقرحا راس الحصن ادلب
8 جبل الوسطاني

كفر عقاب

بنصرة، الفاسوق، كفر عقاب جسر الشغور ادلب

_ أعمال التوثيق الأثري

كانت قرى الكتلة الكلسية موضع اهتمام للباحثين والمراقبين للآثار السورية طيلة فترة النزاع المسلح نظراً لم تتعرض له المنطقة من أعمال قصف وتغيير ديموغرافي مع كل حركة نزوح وتهجير في سورية ككل حيث أصبحت منطقة ادلب منطقة لإيواء المهجرين من كافة المناطق السورية. إضافة إلى ذلك غياب السلطة الآثرية الرسمية المعنية بتوثيق وحفظ التراث. لذلك لجئ الباحثون إلى توثيق الواقع الراهن عن طريق التقارير الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي. ولم تتوفر تقارير علمية يقوم بها مختصين في الأثار إلى في بعض الحالات من خلال إنشاء منظمات وجمعيات مجتمع محلي تعنى بشؤون التراث. وعلى الرغم من أعمال التوثيق السابقة إلا أنها تبقى دون الواقع الحالي لتلك المواقع كم أن المتغيرات السياسية ومتغيرات الصراع على الأرض تحتم علينا تحديث البينات والمعلومات حول تلك المواقع بشكل دوري لرصد المتغيرات.


    ساهم في اعداد الدراسة وأعمال التوثيق فريق مركز آثار ادلب المكون من :أيمن النابو – حسان الاسماعيل – منير القسقاس – عبد السلام الحمو – ابراهيم قنطار 

_ لمحة عامة عن الحالة الراهنة للمتنزهات الأثرية في قرى الكتلة الكلسية

انعكست سنين الحرب الطويلة على الواقع الأثري في شمال غرب سورية بما في ذلك القرى الأثرية في الكتلة الكلسية بشكل كبير وتركت آثاراً سلبية لا يمكن تجاهلها على المواقع الأثرية والمباني التاريخية من حيث الضرر والتخريب وذلك نتيجةً لعوامل عديدة كانعدام الأمن وغياب قانون مفعل لحماية الآثار إضافةً للضغط السكاني الكبير في رقعة جغرافية محدودة وحركة الهجرة المتكررة للسكان الذين وجدو في المواقع الأثرية ملاذاً أمناً ورخيصاً لجوء إليه للهروب من ويلات الحرب. هذا الواقع خلف أضراراً جسيمة على الواقع الأثري بشكل متفاوت بين موقع وأخر. وعلى الرغم من الدعوات العديدة لحماية الآثار وتحييد التراث عن الصراع إلا أن هذه الدعوات لم تلقى أذناً صاغية إلى في بعض الحالات.

وقد أظهرت العديد من الدراسات والتقارير السابقة الأضرار والتعديات التي لحقت بالمواقع الأثرية في الكتلة الكلسية بشكل عام ولكن نظراً لاستمرار الحرب والواقع الراهن وما رافقه من تغيرات سلبية خاصةً من ناحية الضغط السكاني وزيادة أعداد المهجرين للمنطقة أصبح من الضروري تحديث أعمال التوثيق السابقة والتقارير التي تحدثت عن الأضرار في تلك المواقع الأثرية. وخاصة المواقع الأثرية المسجلة على لائحة التراث العالمي نظراً لم تمتلكه من أهمية استثنائية وضرورة الوقوف على الحالة الراهنة لتلك المواقع وتوثيق الواقع الأثري فيها والمتغيرات الحاصلة لوضع استراتيجيات للتدخل الطارئ في بعض الحالات وتقييم الأضرار.


تعود ملكية  جميع الصور المستخدمة في الدراسة لمركز آثار ادلب باستثناء بعض الصور والتي تم تحديد ملكية صاحبها وأخذ موافقته على نشرها

ويمكن لنا تحديد التعديات الرئيسة التي تتعرض لها المواقع الأثرية في الكتلة الكلسية بما يلي:

1 – الاشتباكات والقصف:

تحولت بعض المناطق الأثرية إلى ساحات معارك بسبب الاشتباكات العنيفة التي تدور رحاها في المناطق التي تتواجد بها المواقع الأثرية، مما أضر بمبان تاريخية وقلاع أثرية ثمينة. وأصبح يأخذ شكل أكثر خطورة في مناطق معينة خاصة في جبل الزاوية والذي أصبح منطقة اشتباك بين قوات النظام السوري وفصائل المعارضة مع بداية العام الحالي وقد تعرضت العديد من المواقع الأثرية في جبل الزاوية للقصف في المعارك الأخيرة كخربة حاس وسرجيلا والبارة.

2 – التنقيب غير المشروع:

بسبب غياب المؤسسات الحكومية المعنية والسلطات الأثرية عن بعض المناطق، تعرضت بعض المواقع الأثرية لانتهاكات خطيرة وأعمال تنقيب شرسة. ومع ازدياد الضغط السكاني في محيط المواقع الأثرية زادت وتيرة أعمال الحفر السري وبدأت تنتشر في بعض المواقع للمرة الأولى رغم نجاتها طيلة سنوات الحرب السابقة.

3- التعديات العمرانية:

يستغل بعض الناس حالة الفوضى وصعوبة ضبط المخالفات في التعدي بالبناء العشوائي على المناطق الأثرية ومناطق الحماية بسبب غياب قانون الآثار. وهي لا تلقى أي مقاومة أو منع من المجتمع المحلي على عكس أعمال التنقيب السري والتخريب وكلما زاد الضغط السكاني زادت أعمال البناء ضمن الحرم الأثري لتأمين سكن مؤقت أو دائم.

4 -التواجد العسكري في المواقع الأثرية:

يتمركز العسكريين في عدد من المواقع الأثرية ولا توجد حتى الآن معلومات كافية عن حالة هذه المواقع لصعوبة الوصول إليها ولكونها مركز اشتباكات كما في سرجيلا، شنشراح، الربيعة. وفي الأونة الأخيرة تم إعلان مناطق واسعة من جبل الزاوية مناطق عسكرية لوقوعها عند خطوط التماس الأمر الذي يعرضها للعديد من الانتهاكات.

5- التخريب: هناك أعمال تخريب متعمد لبعض الأبنية الأثرية نتيجة لحالة الجهل في قيمة هذه المواقع وملكيتها العامة، أو نتيجة معتقدات دينية خاطئة تؤدي إلى طمس الشارات المسيحية والأمثلة على ذلك كثيرة كما في موقع البارة حيث تعرضت مدافن تحمل نقوش صلبان للتحطيم وميداليات الكنيسة التي تحمل نقوش صلبان في موقع ربيعة، وأيضاً هناك أعمال تخريب عشوائية كما حصل في واجهة أحد المباني في موقع دير سنبل. كم استهدفت بعض النقوش الأدمية والحيوانية بإطلاق النار على الوجوه أو تشويهها كما حصل في مواقع عديدة وخير مثال على ذلك مدافن القاطورة الرومانية. لكننا في الأونة الأخيرة لاحظنا توقف أعمال الاعتداء لأسباب ومعتقدات دينية.

 6_ تكسير وتقطيع الأحجار الأثرية

نتيجة للأوضاع المعيشية المتردية للسكان والزيادة الكبيرة في أعداد النازحين والمهجرين الذين استقروا بجوار المواقع الأثرية لجئ البعض منهم لتكسير الأحجار الأثرية وتقطيعها لاستخدامها في أبنية حديثة وذلك نظراً للتكلفة الرخيصة لتلك الأحجار وغياب تطبيق السلطة والقانون في هذه المناطق. ولهذا الضرر نتائج كارثية يصعب تلافيها على المواقع الأثرية وهي في ازدياد دائم مع كل حركة نزوح جديدة. وانتشرت هذه الظاهرة في مختلف المواقع الأثرية في قرى الكتلة الكلسية أهمها البارة التي تعمل فيها ورشات لتقطيع الأحجار وبيعها. وكذلك في باقرحا وكفر عقاب وغيرها الكثير.

توثيق الحالة الراهنة للمتنزه الأثري رقم/6/ في الجبل الأعلى

_ متنزه الجبل الأعلى (قلب لوزة)

يعتبر الجبل الأعلى أحد الجبال الرئيسة التي تشكل ما يعرف بالكتلة الكلسية شمال غرب سورية ويضم العديد من القرى الأثرية الرومانية والبيزنطية وقد وقع الاختيار على ثلاثة مواقع لتشكل المتنزه الأثري الذي أدرج على قائمة التراث العالمي بالإضافة إلى غيره من التجمعات الأخرى في باقي الكتلة الكلسية. وهذه القرى الثلاث هي قلب لوزة – الكفير – قرقبيزة بمساحة تقدر بنحو 160كم2.

ويتميز الجبل الأعلى بتباين المشهد الطبيعي بين الأشكال الكارستية القاسية وبين السهل الخصب الممتد شرقه والذي يفصله عن جبل باريشا كما يتميز الجبل الأعلى بالمحافظة على التقسيمات الزراعية القديمة كما أن الغطاء النباتي هنا أقل كثافة من جبل باريشا المجاور. تنتشر زراعة الزيتون إلى جانب أشجار التين إضافة إلى زراعة الحبوب في هذا الجبل.

أولاً_ قلب لوزة

تعتبر كنيسة قلب لوزة ثاني أهم معلم بعد كنيسة القديس سمعان في الكتلة الكلسية. لم يتبقى الكثير من المعالم المعمارية في هذا الموقع باستثناء الكنيسة حيث نجد عدد قليل من البيوت السكنية ومعاصر الزيت التي تنتشر في الموقع. تطور السكن الحديث خلال القرن الماضي في محيط الكنيسة وأصبحت الكنيسة تتوسط القرية الحديثة. وتتميز قرية قلب لوزة بأن سكانها تتبع الطائفة الدينية المعروفة بالدروز الموحدين.

على الرغم من أهمية كنيسة قلب لوزة من الناحية التاريخية والمعمارية إلا أنها كانت عرضة للإهمال والتعديات طيلة الفترة الماضية وذلك لإهمال الموقع من قبل المجتمع المحلي نتيجة لحساسية موقفهم من الصراع في سورية إضافة إلى هجرة عدد كبير من سكان القرية ودخول أعداد كبيرة من النازحين والوافدين إلى المنطقة.

_ توثيق الحالة الراهنة

لم تتعرض كنيسة قلب لوزة لأضرار جسيمة خلال فترة الصراع في سورية كم حصل في بعض المواقع الأخرى ساعد على ذلك وقوع الكنيسة وسط القرية الحديثة وبعدها نسبياً عن مناطق الحرب والاشتباك. ومع ذلك فإن وقوعها وسط تجمع سكني حديث عرضها لاستغلال جائر خلال فترة من الفترات وتم رصد بعض الأضرار الجانبية لحقت بالمبنى. ويمكن تحديد الأضرار بما يلي:

_ استخدام الكنيسة كحظيرة للحيوانات

تحولت الكنيسة بين عامي 2014 و2017 إلى زريبة للحيوانات لتربية الأبقار والأغنام من قبل أحد الوافدين المهجرين من محافظة حلب. حيث غطت طبقة من روث الحيوانات أرضية الكنيسة وتم تثبيت أبواب ونوافذ إضافية لسد فتحات الكنيسة إلى أن هذه التعديات بقيت سطحية ولم تلحق ضرر بعناصر الكنيسة الإنشائية والمعمارية. وبجهود من مركز آثار ادلب وبالتعاون مع المجلس المحلي في القرية تمكنا من إعادة تحرير الكنيسة ومنع استخدامها كحظيرة وقمنا بتنظيفها وترحيل الأوساخ منها بمساعدة السكان المحليين، وتم وحصر الدخول إلى الكنيسة للزوار فقط وتحت إشراف المجلس المحلي.


_ الحفر السري

تم رصد أثار لبعض الحفر والتجريف عام 2017 أسفل الواجهة الجنوبية من الكنيسة وصلت هذه الحفر إلى أسفل الأساسات وهناك بعض أحجار البناء الضخمة التي تم إخراجها من عملية الحفر ووضعها بجوار الكنيسة، إضافة إلى وجود مجموعة من الحفر الصغيرة في صحن الكنيسة أكبرها الحفرة بالقرب من الحنية من جهة الرواق الشمالي. ونتيجة المعارضة الشديدة لسكان القرية لأعمال الحفر والتجريف بمحيط الكنيسة وبالتعاون مع مركز آثار ادلب استطعنا إيقافها بشكل كامل وإعادة ردم الحفر. ولم نتمكن وقتها من توثيق الحفر ومعرفة الأضرار الناجمة عنها بسبب منعنا من القيام بأعمال التوثيق بعد مصادرة أجهزة التصوير التي كانت بحوزتنا من قبل الأجهزة الأمنية في المنطقة.

 

 

_ التخريب

لم تشهد الكنيسة أعمال تخريب مقصودة وخاصة للزخارف الغنية فيها

وحافظت بشكل جيد على العناصر الزخرفية ولكننا رصدنا وجود تخريب للصف

العلوي من الدرج المكون من صفين والذي يؤدي إلى الحنية، حيث تم اقتلاع البلاطات ا

لحجرية وبقيت في محيط الحنية. تم إعادة البلاطات الحجرية إلى مواقعها لحفظها

من الضياع دون ربطها بالمونة ريثما يتم ترميمها بشكل ثابت مستقبلاً.

 

_ محاولة استغلال مبنى الكنيسة وتحويله لمدرسة

بعد انتهاء أعمال التوثيق للكنيسة خلال مراحل هذا المشروع وتحديداً في شهر أذار ونتيجة التطورات العسكرية في جنوب ادلب وشرقها وما رافق ذلك من كارثة إنسانية كبيرة تجلت في نزوح مئات الألاف من السكان والتوجه إلى المناطق الأكثر أماناً. قامت مجموعة من النازحين من ريف حلب الغربي بالدخول إلى الكنيسة واتخاذ البناء الأثري كمركز لإنشاء مدرسة مؤقتة وتم جلب تجهيزات وألواح معدنية وأسقف وجدران قابلة للإزالة لتقطيع الكنيسة وتحويلها إلى غرف صفية وتزويدها بمرافق عامة (تواليتات). وكان ذلك في نهاية شهر شباط 2020 حيث قاموا بتثبيت ألواح معدنية لإغلاق النوافذ والفتحات بدءً من الفتحات في جدار الحنية وباب الكنيسة الغربي، كما تم حفر أقنية مزودة بأنابيب بلاستيكية لإنشاء شبكة صرف تبدأ من الحنية وتمتد خارج الكنيسة أسفل الواجهة الجنوبية لتصل إلى حفرة عميقة محدثة مقابل واجهة الكنيسة من الغرب كخزان لتجميع مياه الصرف وتم وضع العديد من خزانات المياه داخل وفي محيط الكنيسة. إضافة إلى تثبيت عناصر معدنية على الجدران الأثرية عن طريق الضغط دون حفر ثقوب في الجدران الأثرية. هذا التعدي أحدث رفض كبير من قبل أهالي البلدة وأبلغوا مركز آثار ادلب لتقديم المساعدة ووقف التعدي الخطير ومن خلال المشروع الحالي الذي يقضي بتوثيق الحالة الراهنة للكنيسة خصصنا جزء من المشروع لحماية الكنيسة ووقف التعدي ومن خلال حملة شعبية واسعة بمساعدة الأهالي توصلنا لاتفاق مع السلطات الإدارية وشؤون المهجرين لاستبدال المدرسة المحدثة في مبنى الكنيسة ونقلها خارج القرية كون هذا المبنى مسجل على لائحة التراث العالمي والإضرار به واستخدامه بهذا الشكل الجائر يهدد سلامة المبنى ووظيفته التاريخية.

نجحنا في وقف جميع التعديات وفك ونقل جميع الإحضارات والتجهيزات على نفقة مركز آثار ادلب وتسوية الوضع إلى ما كان عليه سابقاً كما تم إغلاق مبنى الكنيسة بأقفال معدنية ومنع الدخول إليها في الوقت الحالي منعاً لحدوث تعديات مشابهة. وعلى الرغم من خطورة التعدي في حال بقائه نجحنا في إزالة جميع أثاره وبقيت الأضرار محصورة في الخنادق السطحية التي أحدثت لشبكة الصرف والحفرتين العميقتين كخزان الصرف والتي تم ردمها بالتراب بعد توثيقها على مخطط الكنيسة.

بعد الانتهاء من عملية توثيق الحالة الراهنة لكنيسة قلب لوزة ورفع جميع التعديات تم إعداد مخطط للكنيسة يبين أنواع التعديات الظاهرة وانتشارها خلال الفترة الماضية والتي تبدأ مع بداية الحرب في سورية ولغاية منتصف العام 2020.

ثانياً_ قرقبيزة

تقع شمال شرق قلب لوزة على بعد 1كم وتتربع فوق نتوء جبلي يشرف على السهل الذي يفصل الجبل الأعلى عن جبل باريشا وتتميز بإطلالة طبيعية خلابة. يتميز الموقع بأنه يحافظ على شكله القديم دون وجود سكن حديث داخله أو بجواره تحيط بالموقع أشجار الزيتون. أبنيتها تعود إلى الفترة الرومانية مع تطور للسكن خلال القرن الخامس والسادس الميلادي. أهم ما يميز الموقع هو وجود الكنيسة العائدة إلى القرن الرابع ميلادي وهي بذلك أحد أقدم دور العبادة المسيحية في شمال سورية.

_ توثيق الحالة الراهنة

خلال فترة الصراع في سورية تحولت قرقبيزة إلى مقر لأحد فصائل المعارضة ومنع الدخول إلى الموقع ولم يسمح بأعمال التوثيق الأثري، وبقي الأمر كذلك إلى العام 2016 حيث أخلي الموقع من الوجود العسكري.

وعلى الرغم من هذا التعدي إلا أن الموقع مازال يحافظ على أصالته إلى حد مقبول ويمكن تخفيف أثار التعديات عليه مع الزمن.

ويمكن تحديد التعديات بما يلي

1_ التواجد العسكري

ما تزال أثار الاستخدام العسكري للموقع ظاهرة للعيان من خلال العديد من الشواهد المادية حيث رصدنا وجود بعض الحفر والخنادق التي تستخدم للحماية من القصف، إضافة إلى استخدام الأبنية الأرضية المنحوتة في الصخر (المعاصر) كملاجئ وسد أبوابها بجدران من البلوك الإسمنتي وإضافة جدران أخرى على المداخل.

 


وبعد إخلاء الموقع من الوجود العسكري زالت أثاره بشكل كبير ولم يبقى سوا الجدران الحديثة التي يمكن إزالتها مستقبلاً دون الإضرار بالموقع.

2_ إطلاق الأعيرة النارية على الواجهات الأثرية

بعد إخلاء الموقع من الوجود العسكري بقيت بعض العناصر المسلحة تتردد على الموقع للتدريب على إطلاق النار مستخدمةً واجهات بعض الأبنية الأثرية كدريئة. فقد تعرضت العديد من الواجهات الأثرية لإطلاق الأعيرة النارية من بنادق خفيفة ومتوسطة دمرت أجزاء من الواجهات الأثرية وشوهت العناصر الزخرفية وفتت سطح الأحجار الأثرية.

ومن خلال أعمال التوثيق المتكررة في العام 2019-2020 لم نلاحظ تعديات حديثة مماثلة فأغلب التعديات تعود إلى ما قبل 2019.

ولعل واجهة الكنيسة الجنوبية (المبنى الأهم في الموقع) أكثر الأبنية تضرراً بذلك التعدي حيث شوهت الواجهة الخارجية للسور المحيط بالكنيسة إضافةً إلى النصف العلوي من الجدار الجنوبي لواجهة الكنيسة حيث فقدت زخارف الساكف الذي يعلو الباب الغربي في هذه الواجهة في حين تضرر ساكف الباب الشرقي من نفس الواجهة بشكل أقل.

كما لاحظنا وجود أثر لإطلاق الأعيرة النارية على الواجهة الشمالية للكنيسة وهي واجهة مسمطة خالية من الزخارف والأبواب.


إضافة الى مبنى الكنيسة فهناك ضرر مشابه ولكن بوتيرة أقل على واجهة المبنى السكني المجاور لبناء الكنيسة من جهة الشرق.

وكذلك الأمر لواجهة أحد المنازل في القسم الجنوبي من الموقع حيث شوهت زخارف الساكف بالأعيرة النارية.

_ الحفر السري

لم يشهد الموقع أعمال نهب وحفر سري بغية التنقيب عن الآثار خلال فترة التواجد العسكري في الموقع ولكن بعد إخلاء الموقع ظهرت بعض الحفر العشوائية تعود للعام 2019 في مواضع متفرقة من الموقع وهي حفر حديثة أغلبها غير عميق خربت أجزاء من السويات الأثرية وبعض الأساسات ولكنها لم تلحق أضرار بأبنية بحد ذاتها. وعلى الرغم من عدم انتشارها بشكل كبير إلى أنه تنذر بخطر في حال استمرت هذه التعديات خاصة كون الموقع مفتوح وبعيد عن السكن الحالي في قرية قلب لوزة المجاورة.

_ إضافات حديثة للموقع

خلال فترة التواجد العسكري تم إضافة كتل بناء حديثة من البلوك الإسمنتي كمرافق عامة (حمامات) في ثلاثة مواضع وذلك ضمن أبنية أثرية ولكنها لم تلحق أضرار دائمة بتلك الأبنية كونها قابلة للإزالة مستقبلاً وهي جميعاً مهجورة الآن.

_ شق طريق زراعي وسط الموقع

تحيط أشجار الزيتون بالموقع وتمتد بعض هذا البساتين داخل الموقع وهي ذات ملكيات خاصة للأهالي من سكان قرية قلب لوزة. وللوصول للبساتين الواقعة جنوب الموقع قام الفلاحون بشق طريق في نهاية عام 2019 يمكن الأليات الزراعية (الجرار) من الوصول لبساتينهم وكان ذلك على حساب تجريف لعناصر معمارية داخل الموقع وتكسير للأحجار والجدران التي اخترقها الطريق وهذا الطريق يمتد من جنوب الساحة الموجودة جنوب الكنيسة وحتى زاوية الموقع الجنوبية الشرقية.

_ إنشاء مخيم مؤقت ضمن الموقع

بعد أن انتهينا من توثيق الحالة الراهنة للموقع في نهاية العام 2019 ومع بداية العام 2020 حدثت متغيرات على الوضع العام في منطقة ادلب وذلك بسبب الحملة العسكرية على ريف حلب الغربي وريفي حماه الشمالي وادلب الجنوبي وما رافق ذلك من حملة تهجير واسعة للسكان نحو المناطق الداخلية والحدودية في ادلب. كانت المواقع الأثرية في الجبل الأعلى محطة سكن مؤقتة للمهجرين. فقد استوطن الموقع مجموعة من أهالي ريف حلب الغربي في شهر شباط وبنوا عشرات الخيام بين الأبنية الأثرية لأن موقع قرقبيزة ملكية عامة، حيث انتشرت الخيام في الساحة جنوب
الكنيسة وباتجاه الشرق إضافةً إلى خيام أخرى وسط الموقع وجنوبه.

قام فريق مركز آثار ادلب بمتابعة العمل في الموقع لتقيم الأضرار الناجمة عن التعدي الأخير والتواصل مع سكان المخيم للحد قدر الإمكان من ألحق ضرر دائم في الموقع وعدم التعرض للأبنية الأثرية، وضرورة أن يكون السكن في الموقع حالة مؤقتة ريثما يتم إيجاد بديل لإيواء المهجرين، وبالفعل تم إخلاء المخيم بعد ثلاثة أشهر.

ومن خلال توثيق الموقع بعد إخلائه تم التأكد من عودة الوضع إلى ما كان عليه سابقاً. فلم يترك التعدي الأخير أي أضرار باستثناء أثار لخنادق سطحية للإحاطة بالخيام وبعض الأرضيات الممهدة بطبقة من البحص ولم نسجل أي إضافات حديثة من الأبنية داخل الموقع.

_ إعادة استخدام الخزانات الأثرية للري

حافظت قرقبيزة بشكل عام على المشهد الطبيعي المحيط بالموقع فلا تزال بساتين الزيتون وبعض الأشجار الحراجية على حالتها السابقة ولم يصل الزحف العمراني وبناء المساكن العشوائية إلى الموقع ساعد على ذلك عدم بناء مخيمات دائمة في جوار الموقع وانعزاله وربما أيضا لرغبة الفلاحين وتمسكهم في المحافظة على حقولهم وبساتينهم.

وربما أكثر ما يميز الموقع وجود تفاعل بين السكان المحليين والموقع الأثري من خلال الاستفادة من خزانات المياه الأثرية المنتشرة في الموقع والتي تعتمد على جمع مياه الأمطار في الشتاء حيث قام الفلاحون باستغلال هذا المورد المائي لسقاية مواشيهم وري الحقول القريبة من الموقع هذا الاستغلال نموذج عن التفاعل بين الانسان والموقع الأثري وإعادة توظيف خزانات المياه بشكل
يحقق منفعة للمجتمع المحلي ولم يلحق هذا الاستخدام إي ضرر بالموقع على الرغم من بناء خزان إسمنتي في الساحة وسط الموقع لتجميع المياه من الخزانات الأرضية ومن ثم ضخها إلى الحقول المجاورة.

ثالثاً_ الكفير

تقع في موقع معزول وخالي من السكن الحديث شمال غرب قلب لوزة، وتتميز الكفير بإطلالة طبيعة مميزة تشرف على وديان شديدة الانحدار ذات طبيعة كارستية قاسية من جهة الغرب وهضاب أكثر خضرة من الجنوب والشرق. يقسم الموقع إلى حيين شرقي يضم الكنيسة و13 مسكن. والغربي يضم 18 مسكن. أغلب أبنيتها حافظت على مستوى الطابق الأول وتنتشر في الموقع العديد من المعاصر.

أهم أبنية الموقع هو الكنيسة العائدة للقرن الخامس ميلادي وهي ذات صحن وحيد يضم بيما، وأكثر ما يميز الكنيسة هو الحنية النصف كروية تقريباً والمزودة بدعامات من الخارج.

_ توثيق الحالة الراهنة

حافظ الموقع على شكله العام طيلة سنوات الصراع في سورية وبقي مهجوراً من السكن الحديث وبعيد نسبياً عن مخيمات المهجرين الأمر الذي حافظ على أبنية الموقع ومحيطه البيئي. ومع ذلك رصدنا بعض التعديات على الموقع.

_ الحفر السري

تم رصد العديد من الحفر الغير شرعية في الموقع والتي تنتشر بشكل متباعد في العديد من الأبنية وهي حفر غير عميقة نسبياً أضرت بالطبقات السطحية وبعض الأساسات. أهم تلك الحفر كانت في ساحت الكنيسة من جهة الجنوب وأسفل حنية الكنيسة من الخارج جهة الشمال حيث كشفت
عن أساسات الحنية وقواعد الدعامات.

إضافة إلى الكنيسة تنتشر الحفر في الحي الغربي من الموقع بشكل أكثر انتشاراً، وكشفت هذه الحفر بعض الجدران والأساسات وخزانات المعاصر.


ويبدو من شكل الحفر استخدام معدات الحفر اليدوية من قبل المعتدين باستثناء حفرة كبيرة وسط الحي الغربي ضمن مبنى محفور في الصخر الطبيعي استخدمت فيها متفجرات ومعدات حفر ثقيلة الأمر الذي خلف ضرر كبير ويبدو أنه لم يكشف عن أي معلم أثري.

_ أطلاق أعيرة نارية

رصدنا حالة واحدة لهذا النوع من الضرر حيث تعرضت واجهة الجدار الشمالي الخارجية للكنيسة لإطلاق أعيرة نارية من بنادق خفيفة بشكل عشوائي على الجدار وهو جدار خالي من الزخارف والفتحات ألحقت هذه الأعيرة ضرر بسطح الأحجار. ونحن نجهل السبب في استهداف هذه الواجهة رغم عدم وجود أي تواجد عسكري في الموقع.


_ استخدام الموقع لتربية المواشي

نظراً لوجود مساحات واسعة من الأحراج الطبيعية بمحيط الموقع تسمح بالراعي، استخدمت العديد من أبنية الموقع كحظائر لتربية الماعز والأغنام من قبل سكان القرية المجاورة (قلب لوزة). لكن هذا الاستخدام لم يكن استخدام جائر ولم يلحق أضرار حقيقية في الموقع فقد أضيفت جدران من أحجار الدبش المنتشرة على سطح الموقع مع مونة طينية لسد الفتحات وبعض الجدران المتهدمة ولم تسجل إضافات حديثة تسيء للمنظر العام. وقد استفاد مربي المواشي من مياه الخزانات المنتشرة في الموقع لسقاية مواشيهم.

_ خيام حديثة في الموقع

رصدنا في الآونة الأخيرة (حزيران 2020) في أخر جولة توثيقية إنشاء أربع خيام في الموقع لم تكن موجودة من قبل اثنتين عند المبنى الكبير شرق الموقع واثنتين أسفل الواجهة الشمالية للكنيسة وهذه الخيام يسكنها رجال فقط الأمر الذي يشير إلى أن الهدف من السكن في هذا الموقع المعزول يهدف إلى الحفر في الموقع والبحث عن الأثار بداخله الأمر الذي يؤكد ذلك وجود حفر جديدة في الموقع.

_ خلاصة

على الرغم من المصاعب في عملية توثيق الحالة الراهنة للقرى الأثرية المسجلة على لوائح التراث العالمي في الجبل الأعلى. وما رافق عملية التوثيق من متغيرات وتطورات نتيجة المتغيرات السياسية والعسكرية في عموم شمال غرب سورية. إلا أننا استطعنا من تقديم تصور عن الحالة الراهنة وأثرها على الواقع الأثري.

ومن خلال تقييم الحالة الراهنة لهذه القرى الأثرية نستطيع القول إنه بالرغم من وجود بعض التعديات الثابتة كالحفر السري وتشويه بعض الواجهات بالأعيرة النارية، إلا أن هذه المواقع الثلاث بحالة حفظ مقبولة ولم تأثر التعديات على المشهد العامة للمتنزه الأثري. ولا يوجد تعديات حقيقية تهدد شروط تسجيل هذا المتنزه على لوائح التراث العالمي. فمازال المشهد العام للمتنزه يحافظ على أصالته ولا يوجد تغيير في المشهد البيئي المحيط في الموقع. ولا يزال الموقع شاهداً على التفاعل بين السكان المحليين والأثار من خلال محافظة سكان المنطقة على الأنماط المعيشية السابقة من الرعي وزراعة الزيتون.

وتعتبر تجربة توثيق الجبل الأعلى مثالاً واضحاً على دور المجتمع المحلي في حماية التراث والحفاظ على آثارهم من التخريب كما فعل سكان قلب لوزة لمنع التعديات والوقوف بوجه أي محاولة لتشويه الكنيسة أو إخراجها عن وظيفتها التاريخية.

%d مدونون معجبون بهذه: