بقلم: عمار كناوي

تم تسجيل موقع القرى الأثرية في شمال سورية على قائمة الإرث الحضاري العالمي على أنها «مشهد طبيعي ثقافي»، نتيجةً للتفاعل المشترك بين الإنسان والطبيعة ويظهر تطور المجتمع وتوطده على مر الزمن، وبتأثر الأنماط المعيشية للسكان المحليين مع الإمكانيات المادية التي يقدمها إطارهم الطبيعي.

تتضمن الكتلة الكلسية مساحة يتراوح طولها بين 40- 20 كم من الشرق إلى الغرب، و120 كم من الشمال إلى الجنوب وتمتد من الحدود التركية حتى مدينة أفامية الأثرية في الجنوب، وتتطابق الحدود الشمالية مع سيروس/ النبي هوري على مسافة 70 كم إلى الشمال من حلب، في منتصف الطريق بين أنطاكية وزوغما على الفرات.

تعتبر الكتلة الكلسية منطقة كارستية (كلسية) من الجبال المتوسطة المنتشرة حول حوض المتوسط ويكتسب شمال غرب سورية المعروف بالهضبة الكلسية أهمية خاصة لتشكيله عبر سنين طويلة محمية طبيعية وتراثية فريدة من نوعها.

وتشتهر المنطقة بندرة وجود الماء الجاري فيها إلا في أعماق بعض الوديان، هذه المنطقة هي منطقة جبال متوسطة، وسلسلة من السهول المتموجة المتفاوتة الارتفاع، ويتراوح علوها بين 400م وأكثر من 900 م بقليل. تسيطر على هذه المنطقة كتلتان رئيستان هما جبل الزاوية وجبل سمعان، ويفصل بينهما سهل خالكيس الخصب، وترتبط بوادي العاصي بسلسلة من الجبال الأصغر هي الوسطاني والدويلي والأعلى وباريشا.

تم استيطان المنطقة ابتداء من القرن الأول من قبل سكان قدموا من السهول المجاورة ومارسوا نشاط زراعي يعتمد بشكل رئيس على زراعة الكرمة والزيتون إضافة إلى تربية المواشي. الشكل (1)

يتألف الموقع المسجل من مجموع ثمانية مناطق مستقلة وغير مرتبطة فيما بينها، وتأخذ شكل تسجيل سلسلة متضمنة عدة مواقع رئيسة بدون استمرارية جغرافية، لكنها تنتمي جميعها للمجموعة الأثرية الثقافية نفسها، وللطراز نفسه من الصروح التي تميز هذه المنطقة.

تم تعريف المناطق أو المنتزهات الثمانية بعد تحليل متقاطع لمميزاتها الأثرية والطبيعية، مع الأخذ بعين الاعتبار بأن قيمة السلسلة يجب أن تكون أكبر من قيمة كل منطقة إذا ما أخذت وحدها وفقاً لاتفاقية عام 1972.

نجد في داخل هذه المناطق التي يختلف امتدادها، لكن مساحتها لا تتجاوز بضعة عشرات من الكيلومترات، مواقع رئيسة ومعروفة (سرجيلا وقلعة سمعان)، ومواقع أقل شهرة لكنها ذات أهمية مماثلة، ومواقع صغرى معزولة وغير مسكونة، ومواقع معاد استخدامها جزئياً من قبل السكن الحديث، ومناطق طبيعية وزراعية. تغطي المناطق الثمانية جميع السلاسل الرئيسة التي تؤلف الكتلة الكلسية، وتقدم عينة لتعقيد الموقع وغناه.


[1] _ تم تنفيذ مشروع توثيق المنتزه الأثري في جبل الوسطاني تحت إشراف علمي من قبل د. عبد الرزاق معاذ وبتمويل من مؤسسة جيردا هانكل الألمانية.

 الجبل الوسطاني

يمتلك جبل الوسطاني، وهو السلسلة الجبلية الأخيرة باتجاه الغرب بطول 32كم وعرض 6كم ويغطي مساحة حوالي 173كم2، وجوداً قوياً على المستوى الطبيعي من خلال تركيبته وتضاريسه المختلفة مع احتفاظه بمجموعة خواص المشهد الطبيعي والزراعي للكتلة الكلسية. يحده من الشمال جبل الدويلي، ومن الجنوب سهل الغاب، ومن الشرق سهل الروج الخصب، ومن الغرب العاصي. ينتمي الجبل إداريا إلى محافظة إدلب.

 يتألف المكان من وادٍ واسع قاعه منبسط يرتفع إلى700 م من خلال مصاطب متتالية تؤطرها أكتاف كارستية جبلية مغطاة بالأحراش من الجهة الشرقية. التربة الزراعية عميقة، وتسمح بنمو غطاء نباتي أكثر غنى من باقي مناطق الكتلة الكلسية يتضمن الأشجار العطرية وأشجار الغار والسنديان. يضم الموقع نحو 75 قرية أثرية رومانية بيزنطية تم إشغال 52 قرية منها في الوقت الحالي.

حافظ سكان المنطقة على التقاليد الزراعية القديمة إضافةً إلى زراعة التبغ، وهي زراعة مستوردة من أميركا اللاتينية، وتغطي جزءاً كبيراً من الأراضي المزروعة في الجبل. إضافة إلى تربية المواشي (الأغنام) كحرفة رئيسة لسكان الجبل. صورة (1)1

أهداف الدراسة: 

نرجوا من خلال دراسة التعديات في المنتزه رقم /8/ – الجبل الوسطاني توثيق الواقع الراهن للأثار والإطار البيئي المميز للمنطقة كمرحلة أولى من مشروع توثيق المنتزهات الأثرية المسجلة على قائمة المواقع التراثية العالمية. وتحديد مسببات الضرر والعمل على إيجاد حلول مستقبلية تهدف إلى وقف التعديات وإصلاح ما يمكن من الأضرار التي لحقت بالموقع.

ونسعى من خلال هذا المشروع لوضع خطة عمل تكوّن آلية لتوثيق باقي المنتزهات الأثرية في مراحل لاحقة لنحصل في النهاية على تصور كامل عن حالة جميع المنتزهات الأثرية ووضع رؤية شاملة للحالة الراهنة ووضع المنظمات والمجتمع الدولي أمام مسؤولياتهم في الحفاظ على هذه المواقع التراثية العالمية[2].

المنتزه رقم /8/ – الجبل الوسطاني: الشكل (2)3

يضم المنتزه رقم /8/ – ثلاثة قرى وهي الفاسوق وبنصرة وكفر عقاب تقع على الطريق القديم المعروف طريق أنتونينا (Via Antonina) الذي يصل أفامية بأنطاكية عبر الجبل، وكان يمر عبر مواقع تورين والفاسوق وخراب سلطان وكفر عقاب حيث بقي جزء منه حتى اليوم. بقيت هذه المنطقة بعيدة كل البعد عن أعمال التوثيق والمراقبة خلال الفترة الممتدة من العام 2012 وحتى الوقت الحالي نتيجة الظروف التي مرت بالمنطقة ولبعد وانعزال هذه القرى الأثرية ولم تلقى أي اهتمام يذكر وكانت المعلومات عنها شبه معدومة.

ومن خلال المعاينة الأولية للمنطقة والقيام بجولات توثيقية تبين أن المنتزه تعرض لإضرار جسيمة تختلف من قرية لأخرى وأغلب هذه الأضرار نتيجة فعل بشري يمكن أن تصنف على النحو التالي:

 

 

 

 

 

 


[2] _ شارك فريق مركز آثار ادلب في عملية توثيق المنتزه الأثري من خلال أيمن النابو – عبد السلام الحمو – منير قسقاس – حسان الاسماعيل.

أولاً- كفر عقاب:

يقع في منتصف الطريق بين الفاسوق وبنصرة. يعرف محلياً باسم كفر تعقاب وهو أكبر المواقع في الجبل الوسطاني ومن المحتمل أنه كان موقع نياكابا القديم (موقع عسكري هام تتموضع فيه أحد الفيالق الرومانية). القرية تضم أبنية متعددة تعود إلى الفترة الرومانية والقسم الأكبر من العمارة يعود إلى الفترة البيزنطية وما زال العديد من تلك الأبنية محافظ على مستويات مرتفعة من الجدران والأقواس والأعمدة ويعتبر قصر الحاكم أهم أبنية الموقع وقد حفظ جزء كبير من جدران السور ومن الأجزاء الداخلية بالرغم من حالة الفوضى ويوجد داخل السور بازليك تعود للنهاية القرن الخامس الميلادي وصالة تم تحويلها لمسجد في الفترات الإسلامية. كم يضم الموقع مجموعة من الخزانات الأرضية أهمها يقع على بعد 1كم من القرية على جانب الجبل.

إضافةً إلى ذلك تحيط بالموقع عدة مدافن محفورة في الصخر الطبيعي إضافة إلى مدافن مبنية فوق الأرض على شكل برج صغير يعلو أجزاء المدفن السفلية المحفورة بالصخر تتركز هذه المدافن بمحيط الموقع وعلى السفوح المجاورة. كما يوجد الكثير من البيوت السكنية ومعاصر العنب تنتشر على شكل تجمع سكني كبير. الشكل (3)4

 الحالة الراهنة:

1_ الحفر السري (التنقيب الغير شرعي):

الحفر العشوائي ألحق أضرار بالغة في موقع كفر عقاب وهو ينتشر على كامل الموقع استخدمت فيه أحياناً ألية ومعدات حفر ثقيلة كجرافات وأحدثت حفر عميقة دمرت التسلسل الطبقي والسويات الأثرية بعض الحفر دمرت الجدران والأرضيات وهناك تخريب للعناصر الزخرفية والمعمارية وبعض الحفر أيضاً أوصلت إلى خزانات مياه محفورة بالصخر. وتتركز أغلب الحفريات العشوائية في القسم الغربي من الموقع والقسم الأوسط رغم وجودها في القطاعات الأخرى بشكل أقل. ويلاحظ استخدام أجهزة إلكترونية لكشف المعادن والتجويفات ضمن طبقات الموقع من قبل المنقبين الغير شرعيين. صورة (2)5

6

2_ ترحيل أحجار الموقع:

أسفرت أعمال الحفر العشوائي عن ظهور جدران وأساسات حجرية مبنية بأحجار صغيرة ومتوسطة تم استخدامها ونقلها من قبل السكان الحاليين المقيمين في المخيم المجاور لاستخدامها في عمليات البناء والرصف الحديثة وهي الأن مصدر للبناء لدى سكان المخيم، ولا تزال تشاهد في الموقع أكوام من الأحجار المفروزة المخصصة للنقل لاحقاً لاستخدامها وبيعها في البناء الحديث ويمكن مشاهدة عدة أبنية في محيط الموقع والمخيم مبنية بهذه الأحجار الأثرية وبعض الأبنية ما يزال قيد الإنشاء الأمر الذي يرجح استمرار عملية نقل الأحجار من داخل الموقع. صورة (3)

 

3_ تقطيع الأحجار الأثرية:

إضافة إلى نقل الأحجار الأثرية هناك عملية تقطيع للأحجار الكبيرة من الأبنية الأثرية داخل الموقع لتتناسب والبناء الحديث. صورة (4)7

4_ إشغلات بأبنية حديثة:

هناك العديد من الأبنية الحديثة تحيط في موقع كفر عقاب تأثر على المنظر الطبيعي وتنتزع المشهد الثقافي المميز لموقع كفر عقاب تحديداً. وهذه الأبنية بنيت بأحجار منقولة من الموقع حيث رصدنا وجود أربع أبنية من أصل ستة بنيت بأحجار أثرية تقع شمال شرق الموقع وهي أبنية صغيرة من غرفة واحدة أو اثنتين تلائم السكن المؤقت للوافدين الجدد. صورة (5)8

5_ تجريف الموقع واستصلاحه للزراعة:

تجري عمليات تجريف للمساحات المحيطة بالموقع وأطراف الموقع ضمن التجمعات السكنية وحراثتها لزراعتها بالزراعات السطحية إضافة إلى زراعتها بأشجار الزيتون وهذه الحقول الحديثة لا تأخذ أشكال منتظمة وإنما بحسب المساحة المتاحة من الأرض ويتم توسعتها من خلال تجريف الأحجار والجدران الأثرية. وهذا التعدي حديث جداً يعود للموسم الزراعي الحالي ويلاحظ حرص المعتدين على الاستفادة من أكبر قدر ممكن من مساحة الأرض لزراعتها.

تنتشر حقول الزيتون الحديثة بشكل رئيسي شمال الموقع وشمال غرب في حين تنتشر الحقول المزروعة بالزراعات السطحية بشكل رئيسي في القسم الشرقي من الموقع. صورة (6)9

10

 

6_ السكن ضمن الموقع:

هناك أدلة على وجود سكن حديث داخل الموقع في القسم الغربي من خلال وجود مصاطب إسمنتية كأرضيات لخيام بنيت في الموقع في السنوات السابقة من قبل النازحين المهجرين ووجود بعض المرافق كحمامات. ولكنها هجرت حالياً وبقيت الأرضيات الإسمنتية ضمن الموقع. صورة (7)

 

 

 

ثانياً_ الفاسوق:

تقع جنوب قرية كفر عقاب وهي قرية أثرية أصغر حجماً من الموقع السابق. القرية غنية بالغطاء النباتي الطبيعي وخاصةً أشجار الغار والسنديان الحراجية.

كان هذا الموقع موجوداً منذ الفترة الرومانية، وحتى قبل ذلك. يقدر عدد المباني السكنية في الموقع  بحوالي 69 مبنى وضريحاً محفور في الصخر كما يضم التجمع العديد من الأبنية الأثرية الأكثر حفظاً من بينها كنيستين توأمين قائمتين إلى الأن وهي الأكثر تميزاً في الموقع الشكل (4)2

 إضافةً إلى العديد من البيوت السكنية المبنية بأحجار ضخمة منحوتة بشكل جيد توجود المعاصر والمدافن ومعالف تدل على تربية الحيوانات، والموقع غني نسبياً بالعناصر الزخرفية والمعمارية كتيجان الأعمدة والسواكف المزخرفة. يتميز الموقع بوجود سكان محليين ضمن تجمع قروي صغير استخدم بعض الأبنية الأثرية والمغاور والمدافن في تربية المواشي والسكن أيضاً، وتم تحويل بعض المغاور والمدافن القديمة كملاجئ للحماية من عمليات القصف المحتملة وهذا السكن حافظ على هوية الموقع وأعطاه تميزاً من خلال المحافظة على الموروث القديم في طريقة العيش واستخدام نفس الأنماط الزراعية والاقتصادية السابقة. صورة (8)11

 الحالة الراهنة:

 

12

1_ الحفر السري (التنقيب الغير شرعي)

هناك تعديات طفيفة في مواقع محددة من الموقع وخاصةً صحن الكنيسة حيث كشفت عن خزان مياه أسفل الكنيسة وبعض الأبنية الأثرية حيث شهدت حفر غير شرعية ولكنها لم تسبب الأضرار الكبيرة في شكل وبنية الموقع وتعود هذه التعديات إلى فترة سابقة منذ ثلاثة أعوام حيث هجر سكان القرية الموقع نتيجة القصف والأعمال العسكرية في المنطقة ومع عودت السكان الأصليين لقريتهم توقفت هذه التعديات. صورة (9)

 

 

 

2_ البناء الحديث:

ما تزال القرية الحديثة محافظة على مخططها القديم ولم تشهد توسع عمراني حيث لا يوجد مؤشر على تضخم سكاني في القرية فأغلب سكان القرية هاجروا خلال الفترة الماضية نتيجة الأوضاع المعيشية والأمنية الصعبة إلى المناطق الحدودية وإلى خارج سورية.

ومع ذلك نجد بعض الأبنية الحديثة أو بعض الإضافات إلى المنازل المبنية قديماً، إضافةً إلى استخدام بعض الأبنية الأثرية المحفورة بالصخر الطبيعي كسكن مؤقت أو لتربية الماشية، وهي ما تزال إلى الأن لا تشكل خطراً على التقييم العام للموقع. صورة (10)13

3_ تقطيع الأحجار الأثرية:

هناك أمثلة قليلة على هذا النوع من التعدي لاسيما في مبنى الكنيسة التوأم وهي تعود أيضاً إلى فترة سابقة ولا تنتشر على كامل الموقع الأثري. وما تزال الأحجار المقطعة داخل الموقع فهي لم تستخدم في البناء الحديث. صورة (11)14

ثالثاً_ خراب بنصرة:

وهي موقع صغير من قرى الكتلة الكلسية العائدة للفترة الرومانية البيزنطية، يقع إلى الغرب من قرية الفاسوق في منطقة جبلية وعرة في موقع منعزل يتم الوصول إليه سيراً على الأقدام وهي تتربع فوق جرف صخري يطل على وادي تحيط به منحدرات صخرية شديدة الانحدار قليلة الغطاء النباتي. الشكل (5)15

تعطينا بنصرة فكرة عن الحياة الدينية والعبادة الوثنية للشعوب السورية القديمة، ويرجح أن التعايش بين أفراد هذه المجموعات الدينية مع تطور المسيحية كان موجودا يمكن العثور على مغاور مكرسة لعبادة آلهة المجمع السوري، ومصليات نذرية، تم بناء أول بازليك في منتصف القرن الرابع، ثم الثانية التي شاركتها باحتها خلال القرن السادس، وتعطي هذه الأخيرة تفصيلا فريدا في شمال سورية حيث نجد أن الأعمدة متوأمة مع تاج كورنثي مشترك، وهذه الكنيسة المزدوجة هي الوحيدة التي نعرفها مع كنيسة الفاسوق. يوجد في الجزء الجنوبي من الموقع أكمات صخرية كان عليها عشرات المعاصر للزيتون والنبيذ.

ترتفع البيوت السكنية على حافة الجرف الصخري الذي نحتت أطرافه بشكل جيد وشكلت أجزاء من الجدران في حين بنيت الأجزاء المقابلة بأحجار كبيرة الحجم منحوتة بشكل جيد، وكانت بعض الأبنية من طابقين أو أكثر. وتتربع بعض الأبنية سطح الهضبة الذي يعلو الجرف الصخري. صورة (12)16

ويمكن مشاهدة بعض المدافن الأثرية المحفورة بالصخر الطبيعي في الطرف المقابل من للجرف يفصلها عن الموقع الوادي المشكل بين المنحدرين. الموقع خالي من السكن الحديث باستثناء منزل واحد فقط مبني وسط الموقع منذ فترة بعيدة تقطنه عائلة واحدة تعمل على تربية المواشي وهذا المبنى يتكيف والمحيط الأثري بشكل مميز وهو مبني على طرز العمارة التقليدية للمنطقة. صورة (13)17

  الحالة الراهنة:

الموقع مازال محافظاً على نفسه بشكل جيد إلى الآن رغم مشاهدة بعض أعمال الحفر السري العشوائية القليلة الانتشار والتي لم تسبب أضرار كبيرة بالموقع. إضافة إلى وجود تجريف بسيط على طرف الموقع بغية استصلاح أرض صغيرة للزراعة. كما أن السكن الحالي في الموقع لم يؤثر على المنظر العام وعلى مخطط الموقع. صورة (14-15)18

أنواع التعديات:

من خلال دراسة المواقع الثلاثة تمكنا من تحديد أنواع الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية ويمكن ترتيبها بحسب حجم الضرر والانتشار على النحو التالي:

_ الحفر السري (التنقيب العشوائي)

_ تكسير الأحجار الأثرية ونقلها من الموقع لاستخدامها في البناء الحديث

_ تجريف ضمن الموقع الأثري واستخدام المساحات المجرفة لزراعات سطحية وأشجار الزيتون

_ انتشار البناء الحديث في حرم المواقع الأثرية

_ استخدام المواقع الأثرية للسكن وتربية المواشي

إضافةً إلى التعديات على المواقع والأوابد الأثرية فإننا نجد تعديات طالت الغطاء النباتي الطبيعي في المنطقة من خلال القضاء على الأشجار الحراجية (السنديان والغار) والاعتماد على أخشابها في التدفئة خلال فصل الشتاء هذا الأمر نلاحظه بشكل رئيسي في موقع كفر عقاب في حين حافظ موقع الفاسوق على الغطاء النباتي والأشجار الحراجية التي تنتشر في الموقع ومحيطه نظراً لعدم وجود تضخم سكاني في المنطقة. إن عملية القضاء على الغطاء النباتي واستبدال الأشجار الحراجية بأشجار الزيتون يؤثر على الإطار الطبيعي لموقع كفر عقاب ويغير من خصوصية ومميزات الموقع التي كانت سبباً في تسجيله على قائمة مواقع التراث العالمي.

 أسباب التعديات:

إن العامل الرئيسي في انتشار هذه التعديات هو غياب السلطة الأثرية المخولة بمراقبة المواقع الأثرية وعدم توفر سلطة تنفيذية لدى منظمات المجتمع المدني وعلى رأسها مركز آثار ادلب لتجريم الانتهاكات بحق الآثار. كما أن المجالس المحلية التي تمثل نوعاً من السلطة المحلية لا تمتلك قانون يخولها منع التعديات. هذا التراجع في ملف حماية الآثار يعود لأسباب قلة الأمن بشكل عام وانتشار الفوضى وعدم وجود وعي لدى كافة أطياف المجتمع بدور الآثار وأهمية الحفاظ عليها.

إن غياب السلطة الموحدة في إدارة المناطق الواقعة شمال غرب سورية وانتشار الفصائل العسكرية المختلفة وتعدد الهيئات والمحاكم يشكل عائق كبير في وجهنا لوضع قانون مرحلي لحماية الأثار في المنطقة ولابد من وجود توافق مجتمعي على ضرورة حماية الممتلكات الثقافية والإقرار بملكيتها العامة للموروث الثقافي السوري.

إضافة إلى ذلك نجد في عملية التغير الديموغرافي وتغيير التركيبة السكانية للمنطقة وتحويلها لملجئ للنازحين والمهجرين من مختلف مناطق سورية وإقامة المخيمات العشوائية وما ترتب على ذلك من أزمة إنسانية خطيرة انعكس بشكل كبير على مختلف مناحي الحياة بما في ذلك حفظ وسلامة المواقع الأثرية فموضوع التهجير القسري أفضى لنتائج كارثية على المستوى الإنساني والوضع المعيشي للسكان وخاصةً الوافدين الجدد الذين وجدوا في الأوابد الأثرية ملجأً مؤقتاً للسكن والحماية ووجدوا في أحجار الأبنية الأثرية مادة رخيصة للبناء مستغلين عدم وجود السلطة وغياب تنفيذ القانون.

النتيجة:

    من خلال مقارنة الأضرار في المواقع الثلاث يلاحظ حجم التعديات الكبير في موقع كفر عقاب الغير مأهول في حين نجد التعديات قليلة جداً في موقع الفاسوق على الرغم من كون القرية ما تزال تقطنها جماعات محلية تكيفت مع الموقع بسلام، وأمنت على ما يبدو حماية نسبية للموقع، في حين تكاد تكون التعديات غير مؤثرة في موقع بنصرة المعزول والبعيد عن الطرق والتجمعات البشرية الحديثة.

فقد أمنت الجماعات المحلية من القرويين من أبناء قرية الفاسوق حماية نسبية للموقع فهم أصحاب الأرض التي يقوم عليها الموقع الأثري ولكون جميع القاطنين في القرية من السكان الأصليين فقرية الفاسوق لم تكن وجهة للنازحين والمهجرين وبذلك لم تشهد توسع سكاني وعمراني حديث كم أن السكان المحليين على علاقة وثيقة بتراثهم حافظوا بشكل كبير على أساليبهم المعيشية ومواردهم الاقتصادية التي أمنتها البيئة المحيطة بهم من زراعة وراعي. صورة (16)19

أما بالنسبة لموق بنصرة المعزول فقد أمنت العزلة حماية للموقع خاصةً مع عدم وجود طرق تسهل الوصول إلى الموقع والسكن بجواره، إضافةً إلى ذلك فالأرض المحيطة بموقع بنصرة تعود بغالبيتها لملكيات خاصة تملكها عائلة تقطن في قرية مجاورة (مزرعة الحج نايف) هذه العائلة تمنع الأغراب وحتى النازحين والمهجرين من تشييد مخيمات في المنطقة للمحافظة على ملكياتهم وحقهم في تربية مواشيهم ورعيها في الهضاب المجاورة، الأمر الذي انعكس إيجاباً على سلامة الموقع. الشكل (6)6

في حين تعرض موقع كفر عقاب للقدر الأكبر من الضرر نتيجةً لوجود مخيم للاجئين بالقرب من الموقع على مسافة 2كم تقريباً إلى الشمال الشرقي يقطنه مهجرين من منطقة سهل الغاب في محافظة حماه من أهالي منطقة أفاميا تلك المنطقة التي شهدت القدر الأكبر من التعديات على موقع أفاميا الأثري في العام 2012. هؤلاء الوافدين الجدد ممن عملوا في سرقة الأثار في السنين السابقة وجدوا في موقع كفر عقاب مكاناً مناسباً لمزاولة نشاطهم الغير شرعي وخاصة أن ملكية موقع كفر عقاب هي ملكية عامة. صورة (17)20

إن عدم وجود ملكية خاصة للأرض المجاورة للموقع شجع على انتشار التعديات بشكل كبير وبغياب السلطة لم تتوفر سلطة محلية للدفاع عن الموقع. إضافة إلى ذلك وجد الوافدين الجدد في أحجار الموقع مادة رخيصة ومتوفرة اعتمدوا عليها لتشييد أبنية حديثة تكون بديل عن الخيام التي يقطنونها في المخيم تأمن لهم حماية وإقامة أكثر سهولة وراحة من حياة الخيام[3]. الشكل (7)7



[3] _ تم إعداد الرسوم والمخططات للأضرار والتجاوزات على المواقع الأثرية بواسطة عبد السلام الحمو.

خلاصة:

هذه الطروح لابد من دراستها وتحليلها للوصول لرؤية حقيقية لمجمل الواقع الأثري الحالي في منطقة الجبل الوسطاني خاصةً وعموم منطقة الكتلة الكلسية في شمال غرب سورية ونحن بحاجة لدراسات أخرى في مناطق الكتلة الكلسية لتأكيد هذه النتائج خاصة أن المنطقة المذكورة تشترك حالياً بمصير سياسي واحد فهي تشكل جزء من المنطقة الغير مستقرة في سورية والتي تشهد القدر الأكبر من عمليات القصف والمعارك وحركة نزوح وتوطين مستمرة تجتمع فيها جماعات سورية وافدة من مختلف محافظات القطر.

ونحن نسعى في مركز أثار ادلب لاستصدار قانون مرحلي لحماية الممتلكات الثقافية وتعميم هذا القانون على المجالس المحلية في المناطق الأثرية لمنع التعديات من خلال إشراك المجتمع المحلي في عملية الحفظ والحماية. ولكننا بحاجة إلى دعم دولي للوصول للحماية الأمثل للمواقع الأثرية من خلال وقوف المنظمات والهيئات الدولية أمام مسؤولياتها اتجاه التراث السوري وعلى رأس تلك المنظمات منظمة اليونسكو التي تغيب عن الساحة بشكل كبير وخاصةً فيما يتعلق بالمواقع الأثرية المسجلة على لائحة التراث العالمي في محافظة ادلب وحلب.


 

[1] _ تم تنفيذ مشروع توثيق المنتزه الأثري في جبل الوسطاني تحت إشراف علمي من قبل د. عبد الرزاق معاذ وبتمويل من مؤسسة جيردا هانكل الألمانية.

[2] _ شارك فريق مركز آثار ادلب في عملية توثيق المنتزه الأثري من خلال أيمن النابو – عبد السلام الحمو – منير قصاص – حسان الاسماعيل.

[3] _ تم إعداد الرسوم والمخططات للأضرار والتجاوزات على المواقع الأثرية بواسطة عبد السلام الحمو.

%d مدونون معجبون بهذه: