بقلم

خالد خليفة

حين كنا أطفالاً كنا نقطع المسافة بين منزل العائلة في قريتنا مريمين، وبين خرائب قرية براد على ظهور البغال خلال أقل من ربع ساعة، لا شيء غريب بالنسبة لنا، خرائب المدن القديمة تحيط بنا من كل الجهات، والأرض التي ولدنا عليها لا تكترث كثيراً بأحجار مخطوط عليها كتابات بلغات قديمة، وبعضها لغات ميتة، كانت تعلق في محاريث الفلاحين وهم بفلحون أرضهم. لم يكترث أحد بهذه الحجارة، وكثيراً ما رأيتها تتحول إلى أحواض ماء لسقاية الحيوانات، أو أبواب لأقنان الدجاج. لم يكن إهمالاً لكنها كانت جزءاً من حياتنا، تحيط بنا من كل جانب، ولكثرتها لا نشعر بفرادتها. وحين كبرت بدأ أفهم بأنني ولدت في أرض يعيش في أعماقها أسلافي الذين ما زالت أرواحهم حية تهيم من حولي وتشاركني لغتي وإحساسي بالأشياء. هؤلاء الأسلاف لم يقطعوا الصلة معنا رغم آلاف السنين التي تفصلنا عن بعضنا البعض. إنهم يهيمون في هواء مدينتي وقريتي وبيت الأجداد.  في آخر زيارة إلى قرية براد والقرى التي تشكل امتدادها المدن التي اندثرت والتي نسميها بالمدن الميتة في دلالة لعدم إمكانية بث الحياة فيها مرة أخرى رغم أن كل شيء مازال على حاله، الجدران، التيجان، النقوش، الرموز، السقوف، معاصر الخمر، والقبور المقدسة، كل شيء مازال مكانه لكنها ميتة على أي حال. في تلك الزيارة الأخيرة مشيت أكثر من عشرة كيلو متر وتوقفت، إنها أرض لانهائية وفكرت بأنه هناك حياة أخرى قريبة مني، تعيش تحت الأرض، لا تحتاج منا سوى إلى الأصغاء. ومنذ تلك الرحلات الشيء الوحيد الذي تعلمته بشكل جيد الإصغاء إلى أولئك الأسلاف.

لا يمكن لكاتب مثلي أن يعيش إذا جف نهر الخيال الذي أغرق حياتي، وجعلني أفكر دوماً بصورة تلك الحياة التي تركها أسلافي وراءهم، لا يمكن لي أن أقف أمام معبد لإله الشمس الحمصي أو لفندق لنزلاء طريق أنطاكية دون أن أسأل نفسي ماذا حدث ولماذا حدث؟

بالتأكيد لا يمكن لنا اختصار سوريا لا كفكرة كبيرة إنسانية ولا كبلد صغير محدود المساحة. ومن يجرؤ على فعل هذا. كما لا يمكن لنا أن نقف في لحظة الفخر، إنها لحظة سيئة لشعب كامل يعتبر بأن كل ما يدهش الغرباء هو حياته الطبيعية التي لا تحتاج إلى الانفعال بها، لكن هذا الشعب حين يجد نفسه مهزوماً، وهو مهزوم منذ زمن طويل على كل الأحوال، لا يجد سوى صور الأسلاف والتاريخ ليشهره في وجه العالم. لكن ماذا يفيد أنك صاحب أول أبجدية في التاريخ ونسبة الأمية بين أفراد شعبك تزداد كل ساعة، ماذا يفيد بأنك صاحب الأرض التي أهدت العالم كنوزاً ثقافية لا تعد ولا تحصى، وماذا يفيد أنك صاحب كل هذا التاريخ الثقيل؟ هل يصبح التاريخ أحياناً عبئاً يجب رميه للسير قدماً في حياة جديدة معاصرة تحترم العلم ويكون هذا الشعب جزءاً من التاريخ المعاصر، أم أن الأمور مقسمة في العالم، شعوب لديها تاريخ وثقافات عظيمة ويجب أن تبقى مهزومة وتعيش في الماضي، وشعوب ليس لديها تاريخ لكنها تصنع حاضرها بقوة.

سأروي لكم ما يلي وباختصار:

ذات يوم عام 2006 فكرت بأنني يجب أن أقوم برحلة تبدأ من منزل جدتي المتصوفة في قريتي مريمين إلى منزلي في دمشق، وكان يشاركني تلك الرحلة صديقي المصور الضوئي المبدع نديم آدو.  كان الطريق يقتضي أن نخرج من منزل جدتي إلى أزقة القرية وندخل إلى عفرين ثم إعزاز ثم حلب ونخرج نحو الشمال السوري، عبرت كل تلك المنطقة قرية قرية، وكان يرافقنا فريق تصوير أغلبهم اصدقاء، وصلنا إلى ديريك ومنها انحدرنا إلى الحسكة ثم إلى دير الزور وتوقفنا هناك بعد شهر تصوير، لظروف مادية لم نستطع إكمال الرحلة إلى تل تمر ومنها إلى دير الزور ثم إلى تدمر وحمص ثم جبال الساحل السوري ثم يبرود والقلمون ومنها إلى حوران ودرعا والسويداء لنعود إلى دمشق حيث منزلي.

لكني أعترف لكم بأنه في منتصف الطريق أصابتني التخمة، بكل ما تعنيه الكلمة، سجلت عشرات اللقاءات مع موسيقيين شعبيين يعيشون في تلك المناطق وباللغات الكردية والسريانية والعربية، وعشرات الدبكات والرقصات، ومئات الأزياء، ومئات المواقع والبيوت. كان البشر معي كرماء أينما ذهبت، ولم أتوان عن استخدام علاقاتي مع فناني وكتاب كل تلك المناطق في فتح الأبواب المغلقة، ولدي الآن في منزلي ما أعتبره كنزاً حقيقياً لما يسمى بالفن الشعبي والحكايات الغريبة عن المدن والأمكنة. ولكن الأهم كان حلمي الذي عاد من جديد، خططت بمساعدة أصدقائي أحلامي على الورق بأنه ذات يوم سيكون لدينا في مدينة القامشلي مدرسة كبيرة ومركز بحوث للموسيقى السريانية والكردية، وسيكون لدينا في كوباني متحف للأزياء، وسنحيي في عفرين مسرح النبي هوري المقام في الهواء الطلق على نمط المسارح الرومانية، وفي دير الزور مركز للثقافة البدوية، وموسيقى وثقافة الفرات العظيمة، وفي كل بقعة من تلك الأرض حلمت بشيء، فقط حلمت، أنا لا أملك سوى الحلم، لكني ما زلت أذكر بأنني عدت من تلك الرحلة حزيناً لإهمال كل هذا التراث، كل هذه الحياة الحقيقية التي تعيش قربنا، كل هذه الموسيقى العظيمة، وبقي لي الحكايات وإحدى هذه الحكايات ساعدتني على كتابة روايتي الجديدة التي أنهيتها منذ أيام وستصدر في الربيع المقبل بعنوان ” لم يصل عليهم أحد ” كنت اشعر بالبؤس والخذلان كأي سوري، وأفكر بأنني طوال حياتي لم أسمع أغنية سريانية أو كردية أو آرامية يبثها تلفزيون سوري، لم يعرف السوريون أرضهم، خلال نصف قرن كان يجب دفن سوريا الحقيقية المتنوعة، وهذا ما حصل وقام به النظام على أكمل وجه، لكن بعد الثورة تحرك ذلك المارد مرة أخرى وأعتقد بأن إعادة دفنه شبه مستحيل.

إن كان هناك من سينقذ سوريا هو تلك الثقافة المتنوعة إلى حد الدهشة، لن تستطيع السير في أي اتجاه من سوريا خمسين كيلو متر دون أن تجد ثقافة مختلفة ومدهشة عمرها آلاف السنين، إننا نعيش مع أسلافنا حتى هذه اللحظة، ويبقى علينا العمل من جديد بشكل منهجي لتوثيق وإعادة إنعاش حياتنا القديمة دون أن نفتخر، الفخر كما قلت لكم نصف هزيمة، إن ماضينا جزء رئيسي من حياتنا المعاصرة، مازلنا نستعير في حياتنا مفردات لغتنا السريانية، ومازلنا نرقص بنفس طريق راقصي وراقصات المعابد القديمة، مازلنا نعيش مع أسلافنا دون أن ندري، ولست بحاجة لتقديم مئات الأمثلة عن أولئك الأسلاف الذين يشربون قهوتهم معنا كل صباح دون أن ننتبه إليهم. بالتأكيد جهودكم كفريق عمل ستقدم لنا المحاولة الأولى التي أتمناها منهجية ليس للكشف فقط بل لإعادة تقديم أسلافنا إلى الضوء الذي يستحقونه والذي نحتاج إليه لنشعر بأننا لسنا لقطاء، ولسنا حقل تجارب لثقافات أخرى، فقط لنشعر بأننا أبناء تلك الأرض الطيبة طيبون ونستحق أن نكون جزءاً من الإنسانية.

 

%d مدونون معجبون بهذه: